جانب من الإعلام الذي أنشده

قياسي

قرأت بإحدى فترات حياتي مجموعة من كتب علم النفس الإنسانية، وأستطيع القول بأن غالبيتها اتفقت على حقيقة واحدة ؛ هي أن الإنسان مزيج أفكار وذكريات، وبأن تلك الأفكار تترتب بشكل أو بآخر على نوعية الذكريات التي عشناها، فكل تلك الذكريات وبكل أشكالها تترك بدواخلنا آثاراً قد لا نلاحظ انعكاساتها فينا ولا ترجمتها في أفعالنا، إلا أنها تترك فينا قناعات وردات فعل تفسر معظم عاداتنا اليومية.

خلاصة القول ؛ بأن كل كل معلومة تتلقاها في حياتك، سواء أكانت ملفتة للنظر لحظتها أو لم تكن، فهي تنطبع تلقائياً في بواطن ذهنك، وستكون بعد ذلك طريقتك العقلية ومنظومة تفكيرك التي توجه حياتك إلى المصير الذي تنشده وترسمه هي بعد ذلك*.

مثلاً ؛ في أحد الرسوم المتحركة الشهيرة، تدور القصة عن طفلة صغيرة تمتلك حلماً بحياتها، فتعصي أمر والدتها بأحد الأيام لتخرج مع أحد الشبان، ليتحقق بعد ذلك حلم حياتها وترسم لنفسها لحظاتها السعيدة اللائقة لأن تكون نهاية للقصة. لا أعتقد – صراحة – بأن الشركة المنتجة قصدت إرسال رسالة يكون بمضمونها أن عصيان الوالدين هو بداية السعادة، إلا أنني شبه متأكد بأن أثراً كهذا طُبع في كل طفل شاهد هذه الرسوم، بأن نضجهم وبداية حياتهم السعيدة ستكون لحظة عصيان الوالدين، كما طُبع في نفوسهم مبدأ الحرية، وشناعة الاستبداد، والإصرار على تحقيق الأهداف في المقابل !!

شخصياً ؛ لا أؤمن بأن منع الأطفال من مشاهدة مثل هذه البرامج سيكون الحل الأمثل للسيطرة على هذه المشكلة، “فالمنع أسلوب المهزومين والضعفاء” كما اعتاد صديقي (مشاري الغامدي) أن يخبرني، فالمنع عن فعل ما قد يعطي نتائجاً إيجابية لفترة، إلا أن الخروج عن تلك النتائج لن يلبث أن يصبح ظاهرة تنتشر سريعاً بعد فترة، لأنه ذاك المنع سيكون نوعاً من الوصاية ومن الاستبداد (وإن حركته غاية نبيلة)، ولأنه باعتقادي أن الإنسان بطبعه دائماً ما يشتاق للحرية ولمساحة أكبر منها.

يكمن الحل وببساطة في إنتاجنا لشبكة إعلامية قوية تستهدف زرع نبيل الأفكار في أطفالنا، مع تفادي الآثار الجانبية التي قد تحدث عن ذلك، “فالإعلام هو الوسيلة أو التقنية المستخدمة لنقل المعلومات” كما تم تعريفها مرة. أريد إعلاماً قوياً رائعاً، تكون روعته وتسليته هما ما يجذبان الأطفال إليه، أريد إعلاماً يتهافت عليه الأطفال بأنفسهم. أريد إعلاماً يقيّم نفسه من فترة لأخرى، يُدرس في مؤسسته تقدمها وتأخرها في تأثيره وانتشاره بين العامة. أريد إعلاماً مؤسسياً، يتقن اختياره للأفكار التي يطرحها، وللحوارات والنقاشات المتضمنة في أطروحاتها، فيصبغها بأسلوبه البسيط والعميق ليحرك به عقولنا نحو هدفنا المنشود .. أريد إعلاماً يتشرب مقولة (زيج زيجلر) “بأن مهمتنا في الحياة ليست أن نسبق غيرنا، بل أن نسبق أنفسنا”، أريده نجماً في مجاله يسمو باستمرارية وباحترافية نحو الكمال.


(*) :  كتاب “اهتم بذاتك” للدكتور فيليب ماكجرو، يرسم صورة جيدة عن هذه الأمور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *