خيال

قياسي

أترنم،

أتغنّى،

على إيقاع ضحكَكِ في فحوى القافية،

تعيد نَظم الأنجُم أطيافًا،

والليل مَغنىً على معنى الوطن.


فيتعقّد الكلِمُ في تجلّياتك،

ألفَ وجهٍ لِما يجبُ على الحياةِ أن تكون.

فالآن، لا تنتحر اللغات في خاتم القصيدة،

وأنا، الآن، أريد أن أحياها بكامل تكسّراتها،

لِما انكشف من نغمٍ مسطَّرٍ فيها.

لأعيد على ثغركِ، همسًا، بأني أكون في قُربكِ،

فلا يموت لحنًا في محيَّاكِ.


كل حرفٍ ترتدينه احتفال،

نرقصه ماءً، وظلًا، وأحجية امتثال،

وذكرى لا تنكسر،

فلا يغيب لفظها عن اسمي،

وما تحكي النسائم على مسمعي،

عن طعم النار في صوتي،

وطعم الأرض الضائعة، وعن الأساطير،

وتماهيك خيالًا في درب الحنين،

وحقيقةً، وسنديانةً، ومَرجًا،

يقف الزمان قبلها،

وأعرف يقينًا بأننا نبتسم.

صمت

قياسي

فزِعٌ،

في مُعتركِ المعيشة وحدك،

سكبتَ خِتام المطر.

بكل وجعٍ نُحِت على عظامك،

إذا ما ارتطمت بالأرض،

ودَوَت تكسّرات أحلامك.

ووعيتَ الوجود،

في حربٍ لا تفهم كنهها ومعناها.

وألِفتَ الطريق،

وأنِفتَ القدرة على صياغة آمالك.

لا عِطرَ في الصبا تُعتّقُ شَذَاه،

لا وجهَ للفجرِ تستشفّ نِداه.

في كُلّ حجرٍ ارتوى بدمائِك مَرة،

تدفن مُرّ ذكرياتك،

هكذا، توجُّسًا، ترسم أثر المسير.

فنصفك تائهٌ،

والنصف تختزله الشمس، ابتذالًا،

في كلمة أو اثنتين.

وهكذا، تترصد الأعين، جموعًا وفُرادى،

حينًا، تنهش لغةً من حَشاك،

لا لِشيءٍ، بل لأنك لم تمت حين لفظتكَ السماء،

ولِما نسجتَ، من ذرّات الرملِ، صحراءً،

يضوعُ بعمقها ما يُكدّرُ وحشة صَمتها،

قَصُرَ فهمُ ترميزها على المستبصِرين.

إلى صديق

قياسي


حارت باسمك الأقدر كيفما جاء،
تحفّه نسائم محبةٍ في بصائرنا.
نرتق منك كلماتك، في تقلّب الأيام.
نسخط لعدم إنصافك، في تبسّم الأحلام.
هكذا، صدقًا، نلملم الحكاية.


لمَ يُثقلك السياق، أيا رفيقًا،
وينسلّ الدرب عن استيعابك؟
لمَ يُرهقك الوجود، أيا صديقًا،
ويعتلّ السعد عن إيناسك؟
هكذا، أرقًا، نُسائل النوايا.


لن يهزمك أحد،
ولن تنتصر على أحد؛
أحجيةٌ شقيةٌ من واقعٍ عدميّ،
وتأويلٌ نديٌّ لآية الكرسيّ.
هذي القصيدة مكسورة الوزن لي،
ولك النداء بأحرف علّةٍ،
والأمانِ الفوضوية في نشيدٍ قدسيّ.
وملامحٌ ناقصةُ التكوين، إذ يعييني السؤال،
فلا نفترق،
ولا يضيع إثرك من مسرى الحنين.

كل يوم

قياسي

اسنِد على كتفيك السماء إذا لزم الأمر!

لا شيء يكدّر صفوَك؛

لا المُنسَلُّ من الأمنيات الصغيرة،

ولا التيهُ في طريقةِ المعنى،

هو امتنانٌ لما نبتَ من سقياكَ للدرب،

وهي الحكايا ترتقها من فُتات الذكريات.

لأغنيات الطريق الطويلة، وكل ما يحفر في الحياة رحابةً.


لا شيء يُنسي ضحكك؛

لا الرُّحَّلُ من صحب المسير،

ولا الوحشة في سِرب غفير،

هو الاحتفاء برفاق المكان القديم،

وهي الأيام تتلقاك بأوجه سعدِها.

لطمأنينة القلوب النديّة، وكل ما يجعل العيش مستساغًا.


لا شيء يُهمّش قلبك؛

لا استحالة القُبلة الأولى،

ولا خيبةٌ تباغتُ خيالك،

هو الأمل تعتقه دونما تقتله التساؤلات،

وهي الصدفة متبخترةٌ تعطِّرها الأكاليل.

أنا أريد

قياسي


عبرت هذا الطريق ألف مرة؛
ذاك جلادٌ والمقصلة أُبصِرها،
وذي سطوة الأسماء بين كفيَّ أحميها.
وأنا أريد أن أحيى بكل ما وسعتُ من حيلٍ!
وأعرف المكنون في أعينٍ محتشدة،
وأعرف السيَّاف، لا لصداقةٍ،
بل لتهيُّؤات في مُثُلي يحاكيها.
بخمسِ مدامعٍ في أزقةٍ أزليّةٍ،
وعباراتِ فردانيةٍ كنت أرويها.
ما يفعل الصادقون في الشُعُب السقيمة؟
أيعيدون سردَ الخُلُق من البداية؟


عبرتُ هذا الطريق ألف مرة، ومرة؛
ذاك جلادٌ والمقصلة أُبصِرها،
وذي سطوة الأسماء بين كفيَّ أحميها.
وأنا أريد أن أحيى بكل ما وسعتُ من حيلٍ!
وأعرف التبصُّر في خطوبٍ مستترةٍ،
وأعرف الصباح، لا لمعناه،
بل لتشكّلات الطوفان في أنوائه.
بسبعِ موانئٍ أرسيت أشرعتي،
ابن بحرٍ، تُعاشَر أملاحه بدمي،
ابن سَحَرٍ، تُعمَّر أحلامه بيدي.


عبرت هذا الطريق ألف مرة، ومرتين؛
ذاك جلادٌ والمقصلة أُبصِرها،
وذي سطوة الأسماء بين كفيَّ أحميها.
وأنا أريد أن أحيى بكل ما وسعتُ من حيلٍ!
وأعرف المسكوت في أعينٍ محتشدة،
وأعرف الصحب، لا لشماتة،
بل لشهادة حديث المجد، يحكيها.
قل لي وصفًا لجرحك،
أصفُ الدرب نتضاحك فيها.
وما يفعله الناجون من الشُعُب السقيمة؛
يحيكون سردًا للقدَر من بلا نهاية!


عبرت هذا الطريق ألف مرة، ومرات؛
ذاك جلادٌ والمقصلة أُبصِرها،
وذي سطوة الأسماء بين كفيَّ أحميها.
وأنا أريد أن أحيى بكل ما وسعتُ من حيلٍ!
وأكون بأُلفُك جانحًا، طهورًا من اليأس،
وأزيح الرمادة عن أعينٍ تحفظ موت أمسي.
لي الأمس، وبيننا ثلاثًا وسبعين تجليًا من الدهر،
تُكنزُ بصيرتنا فيها والغياب.
ولي الغَيب، يقف الزمان على لثم وجهك كيفما جاء،
نقلب دالًا ومدلولًا فيها كما نشاء!

أنت، الآن

قياسي

أنت، وإذ تُبعث من مماتك، مشرئبًا بمعاني الخيبة،
تذكّر .. تجرد نصيبك من الحياة.
والآن، إذ تختفي عن سطوة الشمس، في فقد أناك،
تذكّر.. ضياع حقك في الكلام.
وقل للدهر، وكشاعرٍ متمكنٍ:
كان على التربة أن تنبت أسفلي تفاحًا،
كان على الواقع أن يحاكي فيّ أمنية،
وكان أن نحت على جبيني بعض غربة،
تنفر كل رفيق محتمل في الطريق.
أنت، وإذ تغرق في بئرٍ ناضبٍ، وقبل أن تستوحش صورتك في السراب،
تذكّر.. تقلبات الأمل غير المعنيّة بانتشالك.
والآن، وقبل انكفائك على ذاتك خجلًا،
تذكّر.. تأوّهات جسدك كلما تجاوزت المعطيات.
واصرخ في الجموع، وكطائرٍ متمرس:
كان على صوتي أن يحملني بعيدًا،
كان على المرآة أن ترسم جناحاي،
وكان أن ضاقت بصيرتي عن رؤياي.
أنت، وإذ يغادرك الصحب في تأجج وحدتك،
تذكّر.. سخرية الحسناء بمشاطرة عبارة حب معك.
والآن، إذ تحمل في وجلٍ، روحك النافقة في راحتك،
تذكّر.. تتابع خدائع تهشم مفردات الألفة في معجمك.
واهمس لمكنونك، وكتائهٍ متهالك:
كان على الدرب ألا يحيد عن خُطاي أكثر،
كان على السرب أن يعي تقلباته أكثر،
وكان أن عِفت تطبيب مدامٍ استوطنتني منهم أكثر.

حياة صاخبة، لنصّ جيّد

قياسي

“أنا هنا لأحيى حياة صاخبة” – زولا

أنا تعني ذاكرتي، كذلك هو الأمر بالنسبة إلى جميع البشر؛ الأنا تعني الذاكرة. وكلما تقدّمنا في العمر، تغدو الأنا أكثر وضوحًا، ويبدأ عالم الذكريات بالتضخم شيئًا فشيئًا، وبالتالي يمتلك البالغ، وكما يقول الفيلسوف-الروائي الإيطالي (أمبيرتو إيكو)، روحًا أكبر من الطفل الرضيع.

كطفل صغير، بكمٍ ضئيل من الذكريات وذاتٍ خصبة، تتشكل الذاكرة بمسارين أساسيين؛ الأول هو تفاعلاته الشخصية مع الحياة، تعاملاته مع الآخرين، وما يشهده في أيامه، أما الثاني فهو الهوية التي وُجد فيها، أو بعبارة أخرى، ما يمكن أن نطلق عليها الذاكرة المشتركة لمجتمعه، المتشكلة عبر تاريخه.

عمومًا؛ تعامل الإنسان مع ذكرياته انتقائيٌ بدرجة كبيرة، فهو يقوم بحذف الذكريات المُقلقة، كما يقوم بتشويه أخريات، فيحتفظ بها بغير الشكل الذي كانت عليه في أرض الواقع. وهذا ما نشهده أيضًا في قراءتنا لكتب التاريخ، وبعيدًا عمّا يكتبه المنتصرون في الحروب، يظل المؤرخ، ورغم محاولاته في الحيادية، خاضعًا لذات الانتقائية.

إذًا، فالأنا تعني الذاكرة، وأولئك الذين يفقدون ذاكرتهم، لا يعودون أنفسهم قبل الحادثة، فمحاولات استرجاع الذكريات هي محاولة لاسترجاع ذواتهم. ولطالما أرعبتني هذه الفكرة؛ أن يفقد الإنسان ذاته، لسبب طبيّ كان ذلك، أو للتيه في خضم متطلبات المجتمع والحياة. وهذا أحد أسبابي للقراءة والكتابة؛ طريقة أخرى للمقاومة على كل الأصعدة.

فالنصوص المكتوبة، في نهاية الأمر، هي الذاكرة المشتركة للبشرية. ومهمة الكتب الأساسية هي الحفاظ على هذه الذاكرة. أما بالنسبة إلى المكتبات، فهي الرمز الواقعي للرغبة في استمرارية هذه الذاكرة البشرية المشتركة. لتكون القراءة بذلك هي التغلب الممكن على محدودية ذواتنا بالمكان والزمان؛ وهكذا لن تكون واحدًا.

المزعج في التصور العام عن القارئ أو المثقف، هو أنه الإنسان الذي يلتهم كمية ضخمة من الكتب، ليبهر الجمع في مجالسهم، ويستأثر بالأحاديث مستعرضًا بكمّ المعلومات الهائل الذي يمتلكه، ويقدر على استحضاره بسهولة. وهذا التصور العام، هو المسبب الأساسي للكثير من عادات القراءة الشهيرة؛ تلخيص الكتب، أو القراءة السريعة، وغيرها.

وإذا ما دققنا في هذا المفهوم، سنلحظ بأن عملية القراءة هنا لا تغدو سوى شكل آخر للتلقين، ويكون الكتاب هنا هو مصدره، بكامل الأستاذية. والحقيقة أن هذا الشكل للقراءة، يُمكن أن يُعتبر، أيضًا، مجرد مضيعة للوقت، لأسباب كثيرة أبرزها؛ أن الإنسان، ومهما بلغت قدراته الذهنية، ليس بقادر على استحضار غالبية المعلومات التي تلقّاها في حياته. ومن ثم، هناك الإنترنت؛ وفرة المعلومات، وسهولة الوصول إليها، هذه هي السمتين الأساسيتين لعصر المعلومات الذي نعيشه.

ويُمكن أن نصف هذه القراءة بأنها خدعة كُبرى أيضًا. فالحضارة لا تعني الغرق في بحر المعلومات، والحقيقة أنه لم تشكو أي حضارة كانت من نقص المعلومات. فمن (أثينا) القديمة، وبكمية ضئيلة من المعلومات مقارنة باليوم، وُجد “المنطق”، أسلوب التفكير الذي تعتمد عليه الثورة العلمية في كل أزمنتها، بل والثورة الاجتماعية أيضًا في عصر التنوير.

ويبقى السؤال هنا: لماذا نقرأ إذًا؟ وفي محاولة للإجابة، نرسم للمعرفة هرمًا؛ يكون على رأسه “الفكرة المحورية” للنص أو الكتاب، وفي قاعه تكمن “التفاصيل”. فكتاب علميّ كالفيزياء ينطلق من أعلى الهرم نزولًا؛ يبدأ الكتاب بشرح مفهوم الفيزياء ومنافعه، ومن ثم هناك قوانين الحركة والسكون، متبوعة بقوانين (نيوتن) الثلاث للحركة، وما إلى ذلك من تفاصيلها كقوانين الحركة الحرارية Thermodynamics. وهذه هي طبيعة الكتب العلمية البحتة بالعموم.

هناك أيضًا الكتب التي تنطلق من أسفل الهرم؛ التفاصيل، ولا شيء غير التفاصيل. وهي بذلك غير ملزمة بالتطرق إلى “الفكرة المحورية” بطريقة مباشرة. ومن أمثلة هذا الشكل للنصوص: الروايات. واستشهادًا برواية (العمى) للبرتغالي (خوزيه ساراماغو)، والتي تحكي عن وباءٍ بالعمى يجتاح مدينة ما، فُهمت الفكرة المحورية للرواية لدى البعض بأنها تذكير بنعمة البصر، بينما فهمها آخرون بأنها نقدٌ حاد للمدنية الحديثة استنادًا إلى سهولة تفككها، وهشاشة قاعدتها الأخلاقية.

لا يمكن تحديد أي الفهمين هو الصحيح وأيها خاطئ، فهذا نقاش لم يُحسم لدى فلاسفة علم التأويل، أو ما يُطلق عليه “هيرمونيطيقا”. لكن الأكيد بأن عملية القراءة هنا، هي عملية تفاعلية بالدرجة الأولى، محاولة للإمساك للشيء في النص، وأن الكاتب الجيّد محتاجٌ إلى قارئ جيّد. وهنا يكمن التحدي في مثل هذه النصوص، والذي يمكن أن يكون، أيضًا، نوعٌ من اللعب الممتع بالكلمات. يقول (أمبيرتو إيكو): ؛مهمة الرواية هي التعليم عن طريق التسلية”، ويقول الفيلسوف-الروائي الفرنسي (ألبير كامو) في مذكراته: “إذا أردت أن تكون فيلسوفًا، فاكتب رواية”.

مهمة الكتب الرئيسية هي الحفاظ على الذاكرة المشتركة للبشرية، ولكل أشكال الكتب أهميتها، بناءً على ما تضيفه للقارئ من خبرة خلال رحلته معها. أبدع الكتب ما يصحبك بعيدًا عن صفحاته، أصدق المكتوب ما يغدو جزءًا من روحك. فاقرأ تجديدًا لتصوّراتك، وليس استجداءً بمعلوماتٍ تستذكرها، فالأكيد أن الغرق في بحر المعلومات يخلق في العقل فوضاه. ولا ترضى لذاتك إلا حياة صاخبة، تكن جزءًا من نصٍ مكتوب؛ جزءًا من ذاكرة البشرية وذاتها.

أكمل قراءة الموضوع

خواء

قياسي


ليس الموت ما أخشاه، بل خواءُ الحياة.

أحجب عن الدهر نشوات قلبي، لئلا تفرغ الأيام من رضاه.

وشياطينٌ تصرخ نكاية؛ أن صراعك مضمحل لا محالة.

لن يحدث شيء بعد الآن، ولن يأتي الربيع.


كثيرةٌ، هي الأزهار، التي أطفأتها الشمس.

فاحمِ آمالك، خلف ظلالك، وإن حار الوجع في تكسّراته.

إنني أفنى فناء هادئًا رخوًا، كموجٍ متخبط يوم صحوٍ في سباته.

أو نسيمٍ ناعسٍ، بَعض ليالٍ، كلّما همس بثمالة حكاياته؛

عن بريءٍ، تعيسٍ، نُسي في صحراء شقائه.

باسما للخطوب، متكلّفًا، إذ ما التقى، عاريًا، الإعصار من أنوائه.

عن نجواه في المقبرة، متضرعًا،

بترنمات حاسدٍ، أو نشيد قدسي في إيحائه.

فتراقص، على أشلاء روحه، مارد بأغنيته:

لن يحدث شيء بعد الآن، ولن يأتي الربيع.


في مدن بلا وزنٍ،

في تقلبات ساعة الزمن،

أو حين ظمئٍ يحرّكه سراب.

يجدك الخوف متقطعًا، مما كان يشدك إلى ثنايا ذاتك.

لم ترتجف كفك لغير تعتيق ذكراها، أو من فرط التعوّد على عذاباتك.

فما أنت فاعلٌ، صارحني، بما نقش في ذكراك، إذا ما انتهى كل شيء؟

وما حيلتك بالخريف، إن هي، فاحت بارودًا ورمادًا، قبلاتك؟

وما استَوْطنت، إذا ما حييت تيهًا، ولك في ثغرك ابتسامة ضائعة؟

لن يحدث شيء بعد الآن، ولن يأتي الربيع.


على نصل المقصلة لك سبع خطوات، ومعنىً ينتحر في آخر القافية.

وتحت المشنقة لك ألف نظرة، وهوة تسحُق مع توالد كلماتك.

هكذا، عدمًا، يُجيء بك تدفن بيض أمانيك.

هكذا، عدمًا، تشييع رؤى حيواتك.

لن يحدث شيء بعد الآن، ولن يأتي الربيع.


فآلف بين حريتك، وسجنها، تُقم مملكة، قبلما تتبدد ادعاءً.

وأدمِ بنغماتك كل موطن للحنين، فلربما ارتمى البحر في جنباتك.

واسخر، بما أوتيت من مخيّلة، كي لا تذبل لك صلاة.

فلا أرى، الآن، في الجموع سوى فراغًا،

كان على أحدنا أن يغرس بالتربة أنامله،

كان على أحدنا أن يُنبت بيننا حلمًا،

أو شجيرة يافعة تزهر بعد ذلك شهرًا،

أو يأتي الربيع!

مجاز

قياسي


لا مساحة لشجرة في أرضها، بعدما سُممت التربة.

لا مكانة لامرئ في موطنه، بعدما ابتُدعت الغربة.

ولأن الرؤى، حدائق رحابة، حرُم الرقاد على الحالمين.

هي البلاد، تضيق بنا، يُضحي فيها المنام ذكرى مريرة.

عن اضمحلال أمنية صغرى، كالتبسّم رضى، والبسيط من الحياة.

عن استحالة أمنية كبرى، كالالتقاء حرية، بالمسرفين في المجاز.

حزينٌ، أطلق أنجمي إلى السماء عارية،

تستهجن الطفولة: “لمَ روحك هادئة؟”

هي البلاد، تضيق بنا، يغدو فيها الخيال دمعة كسيرة.

يحارُ، هنا، شاعرٌ؛ أيبكي ضياعًا في الألم،

أم يضحك، سخرية، من اعتياده الندم؟

في مرفأٍ، إذ يجسّ القمر، نبضًا للبحر، يُشهد هاربًا.

في مخبزٍ، أقيم على نعش هويته الخفيفة، يُشهد هاربًا.

إذ تناسى انعكاس صورته، المختبئة عن وطن مشبوه.

أنَّما ساقتك الخُطى، على أشلاء الطُهر تسير.

أنًّما تاه بك البصير، احترقت البصيرة.

هي البلاد تضيق عن كل قافيةٍ، خُطّ معناها على غير رسالة انتحار.

وفي الأفق، ناقوسٌ يئن الليالي، في صوت قاتم،

يُعرف لمن سمعه،

يُصف بمن عرفه،

شاعرًا، بلا وطن.


 

ضياء

قياسي

25924433233_a2456303a5_b


حمَلت على كتفيك أجساد الراحلين،

مثقلةٌ، هي روحك، من وقع التاريخ،

شهيدٌ، هو ضميرك، وخطيئته الهوية.

تربّت على ساعديك، مشرق كل صبيحة، مطمئنًا،

علّ المغيب يشهد رقصتك الغجرية.

بين أوراقٍ، وأزهار، لم تجد مكانة في قافيتك الأخيرة.

أنت، الآن، تجرّ الخُطى، هونًا، تحت أنقاض الآفلين،

مستيقنٌ، بما سيجمد في صدرك؛ كل شيء، ما كان يكافح منك، ويسافر؛

الصوت الحزين، شعيرات حالكات، والسلام في مقلتيك!

ويبقى الذنب بين جنبيك، يُنسيك بأن ارتفعت، فوقك، سماء.

فأدِم التبصّر في باطن الشمس، ترَ بقايا ذاتك المسلوبة،

وحاول، حينًا، القبض على ذكرى متلاشية، قبيل الغياب.

تنبّأ طالعي القديم بأننا لن نعيش طويلًا،

لن نبعث بليلاء مقمرة، ولا مغيمة،

فلم نوجد، ابتداءً، من رحم ياسمينة.

وإن كان القلب موطنًا سمحًا، فلم ينبض غير منتفض من وجع.

راكضًا، وراء ضيٍّ، بالأفق، نجمة، حلُم بأن يبعثر بين كفيها نصف تحية.

ليرجع الصدأ، بين جنبيه، ذهبًا، أو علّ سحرًا، يصيّره شبه أغنية.

سُكبت، في الطريق، مكنوزات روحه، ولم يُعط شدّة، يرقى بها تلّة.

غريبٌ، ألا تصمد نجمة مضوية، أكثر من شعلتي الصغيرة.

مستهجنٌ، ألا يسكن نبضٌ، لم يبدِ خوفًا، ولا شكوى،

إذ التحف، بالمساء، خيبته، بلا نحيب، أو نداء،

متطاولًا، متعذبًا، لا يُخضب بنانه، بخيالات أمنية،

ولا سراب أيام عادية!