عادل زعيتر

سأكتب اليوم عن السيد عادل زعيتر، شيخ المترجمين العرب كما يسميه البعض.

ولد السيد عادل زعيتر بمدينة نابلس الفلسطينية بالسنة ١٨٩٥ الميلادية، وتوفي بالمدينة ذاتها بعام ١٩٥٧. وقد ترجم في حياته ٣٧ كتابًا إلى العربية، من عدة لغات، فقد كان يجيد العربية كما يجيد التركية والفرنسية والإنجليزية والألمانية.

من المميزات التي أعجبتني في ترجمات عادل زعيتر، فضلًا عن نوعية الكتب وقيمتها، هي جودة ترجمته وفصاحتها. رغم أن الكتب التي ترجمها تعتبر من الكتب الصعبة أو الثقيلة، والتي قد يصعب فهمها بلغتها الأصلي، إلا أنه يبذل المستحيل حتى يجعل الكتابة سهلة وميسرة للجميع، وكثيرًا ما يستخدم الهوامش للتواصل مع القارئ أو لإيضاح فكرة معينة، أو ارتباط الفكرة بواقع الكاتب.

في أول صفحات الكتاب وقبل بداية النص، يقوم المترجم بكتابة سيرة ذاتية عن الكاتب الأصلي، والإشارة إلى أبرز الملامح التاريخية لعصر ظهور الكتاب، والأفكار التي يتضمنها الكتاب. مما يسهل عليك -كقارئ- فهم الكتاب، وفهم فكرته الأساسية ودوافعه. وشخصيًا وجدتها جدًا مفيدة، وأتمنى لو يتم تطبيق هذه الآلية على كثير من الترجمات.

فعليًا ؛ أنصح بألا تُقرأ الكتب التي ترجمها عادل زعيتر من غيره، أما بالنسبة لهذه الكتب فهي ..

١. العقد الاجتماعي (مبادئ الحقوق الأساسية) : جان جاك روسو.

٢. أصل التفاوت بين الناس : جان جاك روسو

٣.أميل (التربية) : جان جاك روسو.

٤. حضارة العرب : غوستاف لوبون.

٥. روح الثورات (الثورة الفرنسية) : غوستاف لوبون.

٦. روح الجماعات : غوستاف لوبون.

٧. السنن النفسية لتطور الأمم : غوستاف لوبون.

٨. روح التربية : غوستاف لوبون.

٩. روح السياسة : غوستاف لوبون.

١٠. فلسفة التاريخ : غوستاف لوبون.

١١. اليهود في تاريخ الحضارات : غوستاف لوبون.

١٢. حياة الحقائق : غوستاف لوبون.

١٣. الآراء والمعتقدات : غوستاف لوبون.

١٤. حضارات الهند : غوستاف لوبون.

١٥، روح الاشتراكية : غوستاف لوبون.

١٦. الحياة والحب : إميل لودفيغ.

١٧. البحر المتوسط : إميل لودفيغ.

١٨. كليوباترا : إميل لودفيغ.

١٩. بسمارك : إميل لودفيغ.

٢٠. النيل: حياة نهر : إميل لودفيغ.

٢١. نابليون : إميل لودفيغ.

٢٢. ابن الإنسان : إميل لودفيغ.

٢٣. ابن رشد والرشديّة : إرنست رينان.

٢٤. كنديد (التفاؤل) : ڤولتير.

٢٥. الرسائل الفلسفية : ڤولتير.

٢٦. حديقة أبيقور : أناتول فرانس.

٢٧. الآلهة عطاش : أناتول فرانس.

٢٨. روح الشرائع : مونتيسكيو.

٢٩. تِلِماك : فرانسوا فنلون.

٣٠. مجالي الإسلام : حيدر بامّات.

٣١. حياة محمد : إميل درمنغم.

٣٢. تاريخ العرب العام : لوي أميلي سيديو.

٣٣. ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية : غاستون بوتول.

٣٤. أصول الفقه الدستوري : إيسمين

٣٥. الغزالي : البارون كرادوفو.

٣٦. ابن سينا : البارون كرادوفو.

٣٧. مفكرو الإسلام ١-٢ : البارون كرادوفو.

الفطرة

 

كثيرًا ما تتردد على مسامعنا كلمة “الفطرة”، وهو ما يعني الأخلاق والخصال التي نُجبل عليها بداية وبادئ الأمر. كثيرًا ما تتردد هذه الكلمة على مسامعنا وكأنها أمرًا مقدسًا يجب أن يكون عليه كل الناس، وكأن خلق البشري كان بداية على الصورة الأقوم له، ولكن الدنيا ومشاغلها وهمومها شكلته على الشر بعد ذلك يومًا بعد يوم.

شخصيًا ؛ أعتقد بأن الفطرة البشرية تحتمل الخير والشر على حد سواء، فعلى سبيل المثال ؛ الصدق قد يعتبره البعض من الفطرة السليمة، بينما تبدو لي النجاة هي الفطرة وليس الصدق، لهذا يميل كثير من المربيين إلى تسويق الصدق وكأنه منجاة أو هكذا كلمات. يعتقد البعض بأن الصدق يقربهم من أنفسهم إلا أنني أعتقد بأن التراكم التاريخي لهم، وأثر المجتمع عليهم هو ما جعلهم يعتقدون بأنه كذلك. كمثال آخر ؛ دعونا نتكلم عن الأنانية مثلًا، والتي يعتبرها العالم بدوره أحد الخصال السيئة، بينما هي حقيقة من طبيعة البشر. دائمًا ما كنت ألاحظ الأطفال وأتابع تصرفاتهم، وأجد أن الأنانية من طباعهم مالم يتم تربيتهم على غيرها، كل البشر يميلون إلى الاستمتاع بالملذات التي حولهم، أو على الاستحواذ على النصيب الأكبر من الغنيمة.

التربية بدورها تبدو لي وكأنها محاولة إخراج البشري من الطبيعة التي بدأ عليها، إلى الخصال التي تضمن له مواكبة مجتمعه وعدم الإضرار بمن حوله. التربية تعني بخلق نسق بين الطفل البشري بخصاله البدائية، وبين المجتمع البشري الذي تم تكوينه بتراكم تاريخي معين. قد تتربى على الانهزامية في مجتمع منهزم، وتصبح في عينيك انهزاميتك حكمة، وقد تتربى على التهور في مجتمع آخر يعلمك بأن تهورك هذا شجاعة تُحمد عليها.

بهكذا تعريف تبدو لي الفضيلة والرذيلة كأنها صنيعة للتراكمات التاريخية البشرية، والتي لا أنكر بأن الدين قد يكون أحد مشكليها، ولكني أعول ذلك إلى التاريخ البشري. وبهكذا تعريف لا أستلزم بأن صفات البشري الأولية كانت هي الصحيحة، وإلا لما احتجنا إلى التربية، لكني قد أقول بأنها مزيج بين الخير والشر، يتم تحديدهما بناء على تجربة الإنسان وتاريخ المجتمعات.

الألم بطريقة أخرى

تقول الأسطورة ؛ بأنه في زمن بعيد جدًا، قام الناس بالإجماع على المتناقضات والأضداد ؛ الكبير ضد الصغير، الكثير ضد القليل، العلم ضد الجهل، وتم تقسيمها لتكون خيرًا وشرًا، فكان الألم لذلك مقياسًا، فالشر هو ما يمتلئ ألمًا، والخير ما تنعدم فيه الآلام.

شخصيًا ؛ لا أعتقد بأن ذلك صحيح تمامًا، ولا أعتقد بأن الآلام سيئة بهذه الصورة التي ندعيها، فالألم في نظري مؤشر بأن هناك شيء لا يجري على ما يرام. كتبت مرة بأن “الألم هو المحرك الأعظم للبشرية”، ولم يوافقني الأغلبية، الأكثر لطفًا منهم اعتبروا أن لكل محركه الأعظم. لكني أعتقد بأن المحرك هو الألم، وما يختلف من شخص لآخر هو الشعور بالألم. فرجل الدين مثلًا يعتقد بأن ابتعاد الناس عن سمائهم هو أسوأ الآلام في حياته، ويعتقد المثقف بأن الألم سببه الجهل، والأمثلة كثيرة، أبسطها خوف الأب من تشرد أبنائه حال عطالته، وهو ما يدفعه للاستيقاظ باكرًا كل يوم للذهاب إلى العمل. الأمثلة لا يمكن حصرها، وكلها تجتمع على الخوف من الألم. وبالعموم ؛ يجتمع الناس على كرههم للألم، وعلى سعيهم لجنة لا ألم فيها، وتختلف نظرتهم بالطبع لهذه الجنة وتصورهم عنها، وبذلك يختلف شعورهم بالألم.

يكره الناس الألم بكل أشكاله، ولكن أشكالًا تعظم عند أناس وتصغر عند آخرين. فمنظر متشرد عند رجل قد يكون الأعظم ألمًا، ولكنه عند آخر مجرد عقاب يستحقه المتشردون على كسلهم وعطالتهم. ولكن في الحقيقة ؛ منظر المتشرد مؤلم لكليهما، إلا أن واحدًا منهما اختار تخدير نفسه تجاه ذاك المتشرد، لأنه نظر للموضوع بطريقة مخالفة للآخر. وكمثال آخر ؛ تخيل لو أن طفلة فقيرة سألتك مالًا في الوقت الذي سألك فيه متشرد آخر مثلما سألت، سيعطي الغالبية للطفلة إن اضطروا للاختيار بين الاثنين، لأنها أكثر ملامسة للشعور بالألم، رغم أن الآخر قد يعول ثلاثة مثلها. وكمثال أخير ؛ الكثير يعتقد بأن الصدقات يجب تقنينها، حتى لا يتعرض العامة للخداع، وحتى لا تستعمل الوجوه البريئة المحتاجة لأغراض سيئة وشخصية، إلا أن الكل يضعف مرة أو أكثر أمام بعض الوجوه، ويقد يعطي متشردآ أو آخر، رغم الشكوك حوله.

على العموم .. الشعور بالألم هو أعظم محرك للبشرية ؛ عندما يتألم الشعب جوعًا سيثور على من يمتلك الطعام، وعندما وعندما تشكو حريته سيثور لأجلها. وإذا ما منعته السياسة من محاربة ألمه سيزيحها عن طريقه، وسيزيح كذلك كل عائق يبقي عليه آلامه. الكل يحركه الألم تجاه جنته، التي تختلف حسب تصوراتك عنها، وعلى هذا يختلف شعور الناس بالألم.

 

نقطة بين الأديان

أحد الأسئلة التي تكررت منذ قديم الزمان، ولم تزل إلى الآن مطروحة بدون جواب تجتمع على صوابيته البشرية كافة، كان عن احتياج الناس للأديان، وهل فعلًا يحتاج العامة لدين يضيف إلى أيامهم صبغته الخاصة ؟ وهل يمكن استبدال الأديان مستقبلًا بدين جديد أو عقيدة جديدة في التفكير ؟

أعتقد بأنه وللإجابة على مثل هذه الأسئلة أن نرجع إلى أن نرد الأمور لأصولها لفترة .. إلى نظرة إلى البداية.

بداية ؛ ومع الإبصار الأول للإنسان إلى الكون من حوله، وبداية وعيه لما يحيطه، تبدأ مباشرة ثلاثة أسئلة رئيسية بالتشكل في رأسه ؛ الأول عن نفسه كإنسان، والذي يقوده بالضرورة إلى البدء والنشأة، وبذلك يكون السؤال الثاني، والذي يدور عن الإله، أما السؤال الثالث فهو عن الكون الذي يحيطه، من حيوانات وشجر، وبقية المخلوقات بالعموم.

ومع الثورة المعلوماتية الأخيرة، والتباين والتفرع المتزايدان في العلوم، أجدني مضطرًا إلى تقسيم آخر للأسئلة الثلاثة ؛ القسم الأول إلى الأسئلة القابلة للاختبار والتجربة والتي تضم السؤال الثالث بكامل تفرعاته. أما القسم الثاني فهي تميل إلى الاستنتاج وإلى قفزات منطقية وأخرى إيمانية، وتضم السؤالين الأولين، عن الإله وعن الإنسان.

وبطبيعة الحال ؛ فاهتمام الناس بالأسئلة يختلف من إنسان لآخر، يميل الناس إلى تصديق رجال الدين عادة والفلاسفة أحيانًا، بالنسبة للسؤالين الأولين، وإلى علماء العلوم التطبيقية كما اصطلح على تسميتهم مؤخرًا، بالنسبة للسؤال الثالث والأخير. وفي النهاية ؛ يختلف اهتمام الناس بهذه الأسئلة حسب وعيهم، وتختلف صياغة أجوبتها وتصاعدها في الأهمية بالنسبة إليهم، حسب نظرتهم التي صيغت في حياتهم  .. وبهذا تكون وظيفة رجال الدين والفلاسفة والعلماء التطبيقيين، هي صياغة الرأي العام حول الأسئلة الثلاثة الأم.

فتكون وظيفة الأديان عندي هي الإجابة عن الأسئلة الأساسية، والتي تدور حول الإله والإنسان. وباكتسابها صيغتها الإيمانية والمقدسة، فهي تميل إلى سد السؤالين بأجوبة ثابتة، مما يتيح للعامة متابعة حياتهم الشخصية والعملية، وطريقتهم في إعمار الأرض، لتتناسب مع حاجياتهم والطبيعة من حولهم.

ونتيجة لثورة الشك التي تعصف عالم الفلاسفة، ونتيجة للإيمان وللقفزات الكبرى عند رجال الدين، ولميل العامة إلى الراحة والثوابت أكثر من المتغيرات، أجدهم يتجهون إلى رجال الدين في مثل هذه الأجوبة. لهذا أعتقد بأنه كلما زادت أخطاء رجال الدين وتجاوزاتهم الأخلاقية، كلما تغلغلت الرذيلة في المجتمعات. وأجدني مقتنعًا لهذا بأن رجال الدين هم أول الداعين إلى الله وإلى الإلحاد معًا، وتتحدد انتماءاتهم الدعوية حسب تجرعهم بالفضيلة أو بالرذيلة، وحسب طريقتهم في تقديم الدين، وإلى توافقه مع الناس ومع طبيعتهم البسيطة وفطرتهم السليمة.

شخصيًا ؛ أميل لأن تكون الأديان ربانية في طرحها كما تزعم بأنها ربانية في فكرتها، أريدها متغلفة بالرحمة، بعيدة عن عالم الكراهيات الملعون، أرديها بسيطة في تقديمها، عميقة في فكرتها، فتلامس ببساطتها بساطة العامة، وتكسب بذلك انتشارها، وتلامس بعمقها تصديق الناس وإيمانهم.

* ملاحظة : هذه التدوينة أحد أفكاري في لحظة ما، وقد تتغير كليًا حتى قراءتك لها .. أحد أهدافي من هذه المدونة، كان رصدي للتطورات الفكرية عندي.

خاطرة مبعثرة (٠٦) ؛ والوعي منفى

لا يغرنك تراقصي كالنيران الشرقية، فضربات الأقدام الغزالية لا تخص الطروبين.

لا تكترث لهدوئي أو لثبات خطواتي، فهي ليست إلا قشرة لإعصار شكوك لا يرحم.

لا تبتسم ولا تترنم لألحان ضحكاتي، فلكل ضحكة ثمنها من الأحزان.

لا تثق بانتصارك على بؤسي إذا ما أشركتني فرحتك، كل ما في الأمر أنني لا أطيق أن أكسرك، فكذبت بابتسامة.

أنا على أوراقي إله، أخلق الكلمات بصفتي أديبًا، وأتلاعب بالحياة لأنني أعرف شيئًا عن الفلسفة. ولكني في حقيقتي لا أطيق كل هذا ؛ أنا مطالب بأن أحافظ على نقاوتي من كل كراهية، بأن أعود من وسط الوحل نظيفًا أبيض الملابس، بأن أكون ربانيًا بين أناس يحاصرون ربهم في محراب صغير، بأن أكون سماويًا في مجتمع يتاجر مع سمائه .. هذا ضد بشريتي، لا يمكن أن يكون، ليس حقيقيًا.

سمعت مع أولى خطوات حياتي رجلًا ينادي : “الجهل وطن، والوعي منفى”*، ظننته يعنيني بادئ الأمر، لكني هززت كتفي ومشيت، اغتررت بنفسي، ودخلت إلى منفاي بإرادتي .. حتى ضاعت خطوتي مني.

كل الطرقات هنا عبودية، كل المصابيح هنا ظلام، كل المشاعل سراب، لا حقيقة هنا إلا عيناي المختبئة بين كفاي، بكائي الطفولي، صارخًا بألم التيه في مملكة الخيال هذه، والنور المتراقص شامتًا، بأنه حتى الآلهة هنا تبكي، المزيفون منهم فقط.

وبين كل غيوم سمائي، لامست كتفي يدها الملائكية، بدت حقيقية هي الأخرى، صادقة وهي تهمس ببطء أن ارسم طريقك الذي لا يتيه، قاطعت كلماتها صارخًا كفاكِ أملًا، كل الأمل كذبة عند أولى اختباراته. أمسكت يميني، وربتت على كتفي بتفهم، وأكملت همساتها الهادئة ؛ بشريّ أن تتيه، محتوم عليك أن تموت، لكنك لن تموت بلا تضحيات، فاختر بين إنسانيتك وبشريتك، مستحيل هو خلودك، صعب أن تحيى من رمادك، سهل جدًا أن تموت، محتوم عليك أن تموت غريبًا، عن نفسك أو عن غيرك، اختر بأي جنون ستعيش، ولا تنسى بأنك سليل الحقيقة الوحيدة، وبأنني طريقك إليك، أنا نورك في المسير، أنا خليقة دموعك.

(*) إميل سيوران

خاطرة مبعثرة (٠٥) ؛ أنا قلبي دليلي

“أنا قلبي دليلي قال لي هتحبي”

ليت لي مثل ذاك القلب ليلى، يخبرني عن طريقي المتعطر حبًا، أو يحكي لي شيئًا من حكايات الأمل الكاذب، فيتركني غارقًا في انتظار لا أعرف له نهاية .. لكنني لا أجد إلا الخوف ؛ خوفٌ على مصيري من ذبول العواطف، وأن أُترك فيه عاجزًا عن ترديد صرختك العصفورية من تغنياتك بالحب، خوفٌ من الظلمة المستمتعة بمتابعتي متخبطًا بغير هدىً، كاتمة ضحكتها الساخرة على تيهي وضياعي.

أظن بأن خوفي هذا يدفعني للتهرب منه، مصبدًا نفسي ببحثي عن المعاني في كل لحظات حياتي، مرددًا على نفسي بأن الحب سماوي، لا أرتضي له إلا أن يكون أسلوبًا لي في حياتي .. وأتمنى بيأس أنني لا أختلق شيئًا من ذلك، لأداري رهبتي وخوفي.

أجدني أمام طريق لا أعرف أين يسير بي، أهو طريق أسير فيه وحيدًا بأبدية، أم أن تيهي هذا سيصلني بطريق أحدهم يومًا ما ؟ لا أعرف، فأنا لا أميز صوتًا ولا نورًا يدلاني على الوجهة أو المسير. حتى هذه الوجوه التي اعتدت تكررها في حياتي، لم أعد أتعرف عليها، ولا أستطعم نكهتها في يومي.

حتى الحب عندي صار مشرئبًا بالأحزان، بالخوف، والألم .. خوف من وقوعي أسيرًا تحت رحمة حب لا يعرف الرحمة، ولا احترامًا لتلك الأصفاد، فيتركني معلقًا على جداره، أتابعه يغيب عن ناظري. أو أن يسرقني حبٌ لا يعترف بأيٍ من المعاني، فيفرض علي رتباته المملة، كاسرًا بذلك ما أؤمن به من سماوية الحب وأبديته، فأجده باردًا لا دفء فيه. أخاف أن يمتص مني حياتي، ويتركني أتابع تلك الحيوات التي تتابع مسيرها من حولي، وأنا واهن أنتظره لقودني إلى النهاية التي اختارها.

مؤلم ألا يجد حبك لصوته مردودًا، ولا لكلماته معقبًا، ولا يجد في نظرته إلا من يتحاشونه .. باستمرار. تغمرك أحيانًا فرحة أنانية بوصلك بمن تحب، وتردد الجدران صرخات الألم أحيانًا أخرى. وفي لحظة يأس تحاول أن تمتنع، وتعهد بذلك، وتلم أشياءك نحو العزلة، وتغمغم ببعض الكذبات في طريقك، ناعتًا نفسك بالسخافة باستمرار.

أخبرني أحدهم مرة بأن أجرب حبًا، وبأن تلك تجربة كغيرها، دخولها مقامرة انتصارنا فيه محتمل كخسارتنا. قاطعته بعصبية توحي له بعدم تفهمه لخوفي المتغلغل بأعماقي. أستثقل جسدي للحظات فأتركه هاويًا على ركبتيه، وأصرخ أن يا ملائكة الحب والرحمة، أنا أعرفكم بخطاياي وبظلامي المرعب الذي يسكنني، لا أعتقد بأنني جدير بأي حب سماوي، وأجدني أيضًا مترفعًا عما هو دونه. فلا أجد جوابًا لصرخاتي، بشيء من التفهم.

تستحق تلك الابتسامة من هو أطهر مني وأنقى، لا أريد لخطاياي مداهمة تلك العينين، كما تغتال من حولي كل ما هو جميل، متابعة إياي في خطواتي، متلذذة بالخوف التي يمتص روحي، وأنا أتأمل الجثث المتساقطة .. أتهاوى .. وأردد بسخط أو بيأس ؛ “خايف مرة أحب وعارف ليه أنا قلبي خايف” .. فأتراءى ابتسامة العندليب الحزينة، وأتخيل تربيتته على كتفي، وهمسته بأنه يتفهمني أكثر يا ليلى.

خرافة سوق العمل

في رحلة من مراحلي الحياتية -وأعتقد بأنها أيضًا لازمة للأغلب في وقتنا الحالي- وجدت نفسي واقفًا أمام عدد لا متناهي من البوابات، ووجدتني مطالبًا باختيار أحدها، ليكون بوابتي إلى العالم بعد ذلك، أو ما يُسمى بتخصصي الجامعي، وفي العمل اليومي بعد ذلك.

وبطبيعة الحال ؛ وجدت نفسي في موقف مزعج جدًا، فأنا مطالب باختيار واحد من ملايين التخصصات، والمرور بأقل ضرر ممكن من ملايين النصائح والتوجيهات حول كل تخصص من تلك التخصصات. أغلب تلك التخصصات بداية ونهاية تدور حول مراعاة الاحتياج العام، أو ما يسمى بسوق العمل.

قرأت مرة مقولة للأديب توفيق الحكيم ؛ “لا يوجد إنسان ضعيف، بل يوجد إنسان يجهل موطن قوته“.

شخصيًا ؛ أنا أؤمن بصحة المقولة السابقة، وأؤمن بخرافة فكرة مراعاة سوق العمل، فالمدرك لمجال قوته، العاشق لمجال عمله، سيخلق لنفسه نهاية بيئته المناسبة لمزاولة عمله الذي يحب، والذي يضمن له رسم مواهبه على أرض الواقع، وفي التغيير أو معايشة يومه.

صحيح بأنه قد تواجه المرء صعوباتٍ في طريقه أحيانًا، ولكنه في النهاية سيقدر على ترجمة خيالاته وعشقه على أرض الواقع، وسيبدع في أعماله ومنتجاته، وسيشار إليه بعد ذلك بأنه علم في مجاله.

أعتقد بأننا بحاجة لكسر التقليدية التي تقتلنا، وتقتل المواهب التي بداخلنا .. يترتب عليك -حتى تبدع- أن تقف بوجه الآخرين مانعًا إياهم من الخضوع لتحكماتهم في دقائق حياتك.

يقول الدكتور بشير الرشيدي ؛ بأن أول ممهد لأي طريق سيجد الكثير من العقبات، أكثر بكثير مما سيجد السائرون في خطاه.

لا تقتلوا إبداعاتكم، ولا تكترثوا لما يُسمى بسوق العمل .. وتذكروا دائما بأن المبدع سيقدم بعض التضحيات بداية الطريق، يقوده إيمانه بما سيجد في نهايته.


حساب لطيف، ينشر بعض المقولات للأديب توفيق الحكيم 

أريد مكتبة عامة

ارتبطت المكتبات العامة في مخيلتي ببعض التفاصيل الصغيرة، التي خلفتها بمخيلتي بعض الأفلام والمقاطع المرئية، أو الروايات والقصص القصيرة ؛ أمين المكتبة وهو ينادي صبيًا أن صهٍ، الشاب الذي يقتله الفضول لدخول القسم المحرم عليه بالمكتبة، صوت ارتضام إحدى المجلدات بالطاولة من بعيد، أو الهدوء الذي يقتله انتهاء أحدهم من صفحة بكتاب، شابة هناك تتلهف لعلم معين، فيقترح عليها أمين المكتبة بعض العناوين بشيء من الأبوية والفخر والأمل وانتظار الكثير منها.

أعترف بأن تجاربي -بالعموم- مع المكتبات العامة يمكن وسمها بالفشل ؛ منظر أمين المكتبة الذي وضع أطعمته على أحد الكتب، تاركًا لها مهمة تلويث الكتاب، أو آخر وجدته لا يتقن القراءة أو الكتابة، مما يحطم أملي فيه بأن أجده أمين المكتبة الذي أناقش معه فحوى بعض الكتب فأفاضي بينها، أو بعض الكتب التي تطوع أحدهم بالكتابة عليها ليسطر آراءه واختلافاته مع المؤلف، فضلًا عن الكتب متشابكة الأوراق، والتي تشير بذلك إلى أن محاولتي لقراءتها كانت الأولى في تاريخها.

ولا زلت آمل بأن أطأ بقدمي تلك المكتبة العامة التي أنشدها ؛ يسودها الصمت احترامًا لتلك الكتب ومحتواها، واحترامًا لكل القراء وعقلياتهم التي جعلتهم يختارون الهرب من ضوضائية المدينة المزعجة إلى سواد الكتب وهدوئها. تفوح بأرجاء تلك المكتبة رائحة هادئة، تدعوك لأن تطور من نفسك، لأن تتعلم، وتعمل على تغيير شيء ما للأفضل. مكتبة يدين لها كثير من مثقفي عصرها بثقافتهم، يتابعون انكباب فتيانهم وفتياتهم على كتبها، فيخفف ذلك عنهم بعض مخاوفهم عن المستقبل، يبتسمون بدفءٍ، ويغمضون أعينهم ويتخيلون تلك الأوجه من المكتبة في المستقبل، فيسطرون لهم اهداءً على كتاب أو آخر. تنتشر على ملامح القراء معالم الدهشة ؛ لتحطم ثوابت أحدهم، أو تعلم آخر لشيء جديد، واكتشاف أخير بأنه قضى سنوات من عمره يدافع عن فكرة خاطئة.

لكل إنسان في هذه الأرض مهربه من تزاحم الأيام ؛ فيهرب الرياضي إلى ملعبه بين الحينة والأخرى، ويهرب الناسك إلى صومعته، وصاحب كل اهتمام إلى من يشاركونه اهتمامه .. وأنا أريد مكتبة عامة ؛ ألقى في طيات كتبها نفسي، وإيماني، وروحي الضائعة ..!

خاطرة مبعثرة (٠٤) – رسالة من المنفى

“وحين مرت أيام دون أن يأتي ليصالحني، حين لم يعد في الحياة شيء غير الشوق إليه، سعيت أنا إليه” [رواية الحب في المنفى : بهاء طاهر].

مؤلم كيف تلامسنا نصوص دون غيرها، خاصة إن اختارت بأن تضع يدها على الجرح الذي اخترنا نسيانه، وكان تجاهل آلامه لنا قرارًا، وكان هذا أمر كبريائنا أمام عواطف المحبين.

الظلمة التي تملأ المكان، البحر الذي يضرب الحجر بعصبية، الضوء الخافت المتأرجح من بعيد، قرفصتي وأنا جالس أتذكر ؛ “ربما يرى البعض أن أجمل ما في الحياة الحب، ولكن هؤلاء البعض أجمعوا على أن أصعب ما في الحب الوداع”، قرأتها لصديق مرة، أعقبها بنصيحته ؛ “لا تسكبوا أعماركم على عتبات حب لن يأتي” .. جلست أتذكر، تذكرت كلماته، وأتذكر تذكري لها لحظة مخالفتها، وأتذكر انهياري تحت صوت أم كلثوم ؛ “وضاع الحب ضاع” بين قلبين يتوقان لبعضهما، وغموض يبعدهما عن بعضهما.

لم أسمع بأغرب من هذه العلاقة، ولا أكثر ظلمة منها، ولا غرقًا في الاستفهامات أكثر، تجرعتها حتى ثملت بحِيرتها، كل ما فيها يبدو غير منطقي البتة، كل ما فيها يبدو قابلًا للهدم في أي لحظة، إلا حبنا لبعضنا، والذي كان يفرض حضوره فينا في أقسى اللحظات، وأكثرها امتزاجًا بالألم وبعض الكراهية .. كل مشاعرنا قابلة للشك، إلا هو ..!

رغم السعادة التي تنشي أرواحنا بعد كل تحية، رغم اللهفة لأيام مستقبل نتشاركه معًا، رغم فسافس الأمور التي تعني لنا الكثير، ورغم الابتسامة التي تصاحبنا لأيام، لاقتراب لقاء أو في ذكرى آخر .. كان الفراق حاضر في أيامنا، وخنعت لرهبته كل وسائل التواصل، وأعلنت فشلها التام، وعجزها أمام هيمنته وطغيانه. لكننا كنا نتذكر، بكل كلمة سمعناها سوية، بكل أرض خطونا عليها معًا، وبكل فكرة راودتنا في لحظة جمعتنا .. وكل ما حولي صار عذابًا يذكرني ويشدني إلى ذكرياتي، “ولم يعد في الحياة غير الشوق إليه” يا بهاء.

في ليلة أخرى سوداء، أسقطت قلمي عاجزًا عن كتابة نهاية تليق بهذه الكلمات، تبرأت مني مشاعري وأعلنت عدم جاهزيتها، وتهربت .. ليلة وداع، وصلتنا صبيحتها سخرية، تلاقت أعيننا وابتسمنا، وكانت كلماتي هذه حديثنا، وأجبت عن السؤال حول ما كانت سأنشر هذه الكلمات بالإيجاب، وأعقبت بأن الخاتمة المفقودة وحدها تحول بيني وبين الإعلان. نظرت إلى تلك العينين وقتها، في محاولة لفهمها، لم أشعر منها إلا بضيق من مشاعري المكتوبة، لم أميز كنهه أهو غضب أم ندم، إلا أنني داريته بابتسامة مصطنعة، وقلت بأنني لطالما تساءلت عما سيخفف وطأة وداعنا إن جاء، فلا أنا عشت لحظة جمعتنا، ولا عرفت سؤالًا لجوابي.


حمزة كاشغري (صاحب المقولتين عن الحب) : @Hmzmz

الروائي بهاء طاهر، صاحب رواية “الحب في المنفى

عربة فارغة في شبكة اجتماعية

 

قبل مدة من الزمن ؛ كتب أحد مثقفي الأراضي السعودية : “#لو_اختفى_تويتر فسيصير المثقف مهمًا من جديد”.

شخصيًا ؛ استغربت هذه الكلمات من صاحبها، والتي لا أحسبها غريبة على مجتمعنا، خصوصًا بعد انتشار الكثير من الشتائم التي تصل إلى نفس المعنى*. وأنا هنا أرد على هذه الفكرة بالعموم، وعلى صاحبها، دون الانتقاص منه أو من شخصه.

للشبكات الاجتماعية بالعموم هدفين -برأيي- ؛ التواصل والانتشار. فهي تصلنا بأناس أبعدتنا عنهم الأيام، وبآخرين لم نكن نعرفهم قبل، وفي نفس الوقت أجدها وسيلة قوية لتسويق الأفكار والمشاريع، فهي مساحة لا تعترف بالحدود والمعوقات أبدًا .. وهذا سر هو سر قوتها، وهو ما يجعل للمؤسسات الربحية وغير الربحية تواجدًا فيها، وما دفع لأصحاب الفكر والدين والسياسة أيضًا للتواجد فيه هم الآخرين.

أحيانًا لا يقدر صاحب رأي ما -رغم إيمانه الشديد بأفكاره ورغم تسفيهه لما هو دونها- على نشر أفكاره ومقترحاته في التغيير، لافتقاره للطريقة التي تصله بالعامة (وما يسمى بافتقار تسويقي). مثلها مثل مهارة الخطابة والإلقاء والتي تعتبر من مجالات التسويق على المنصات والمسارح، فلا أتصور أن فقدان مهارة الإلقاء أو رفعها إلى السماء سيعيدان لأصحاب رأي مكانتهم المرموقة المنشودة. وهذا يعني أيضًا على الكفة الأخرى بأن كثيرًا ممن نعتبرهم أصحاب آراء مخربة أو سخيفة سيجدون رواجًا لأفكارهم، فهذه قدرتهم التسويقية تصنع معجزاتها.

أتذكر بأحد الأيام أن أحدهم أخبرني بأن “العربة الفارغة هي الأكثر ضجيجًا، وكذلك هم السخيفين. أما أصحاب الرأي والهمة فيعملون بصمت يجعلون أفعالهم ردودهم”. أتذكر بأنني أسررت ضحكة، وغمغمت “أهكذا تبررون عجزكم عن إيصال أفكاركم؟”، وأتذكر بأني أجبت صديقي بأن سائق العربة قد يقلل ذاك الضجيج إن هو لم يستعجل وصوله. كلمته بعدها بأن الضجيج لا يعني أبدًا سخافة الرأي، بل يعكس شدة الإيمان به، وقد يعني مناسبته للعامة بشكل أساسي، وأخبرته بأنني لا أعرف دويًا في التاريخ مثل الذي صنعه الأنبياء في أقوامهم، وهذا لا يعني إلا شدة إيمانهم، وقدرتهم التسويقية.


(*) : رويبضة مثلًا، والكثير من الكلمات التي تصل بذات المعنى.