خطوة كَنديدية

قبل شهر أو يزيد، كنت أقرأ روايةً للأديب الفرنسي فرانسوا ماري أوريه، المشتهر باسم “ڤولتير”. حملت الرواية اسم “كَنديد” نسبة إلى شخصيتها الرئيسية، وحملت اسم “التفاؤل” أيضًا نسبة إلى المعنى الذي أحب الكتاب أن ينشره مع صفحات الرواية في عام ١٧٥٩ ميلادية، عندما نشر الرواية أول مرة. (نقلها إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر في عام ١٩٥٥ ميلادية)

لم تكون الرواية صاحبة أسلوب أدبي شيّق، ولم تزينها حبكة قصصية ممتعة، حتى أن أسلوبها القصصي كان سرديًا متسارعًا بشدة، لكنها كانت تطرح فكرة التفاؤل بنقدية وتهكم واضحين. المثير في الرواية بالنسبة لي كان قصة نشرها ؛ فقد قام ڤولتير بنشر القصة بادئ الأمر دون أن يحمّلها اسم كاتبها، بل وقام بطباعتها في أرض بعيدة عن أرضه (لست متأكدًا إن كانت السويد أو النرويج).

بعيدًا عن القصة وتفاصيلها الكثيرة، فقد كان أكثر ما يشغلني هو قرار المؤلف عندما قرر نشرها أول مرة دون أن ينسبها إلى نفسه، أتخيل قارئًا مبتدئًا يسأله متهكمًا مرة عن إن كان يقوى على كتابة مثلها، ويرد في نفسه بأن كل قصة ستحمل نفسًا مغايرًا من كاتبها، لكنه يرد بصوت مسموع نافيًا. ما الذي يدفع كاتبًا مرموقًا مثل ڤولتير للتخلي عن بعض سمعته في سبيل نشر الكلمة ؟!

قال لي صديق مرة، بأن كل كلمة نقولها مهمًا كانت سخيفة، سيكون لها ثقلها في التغيير. وأعتقد بأنني سأوافقه لفترة، وسأضيف بأن هذا سبب إضافي يحملنا على وزن كلماتنا كل مرة نقولها، سبب إضافي يحملنا على السكوت عن كلمات وكتابة كلمات أخرى .. كل كلمة لها وزنها الثقيل إذا ما حوكمت في إطارها التاريخي، كل كلمة تبدو سخيفة بادئ الأمر، مهترئة ومليئة بالاستفهامات واللاأدرية، وتظهر بمظهر الساذجة عندما تحاكم على منصة واحدة مع أخرى لاحقة.

نحن بحاجة إلى كل خطوة جديدة، كل خطوة تعبّر عن دواخلنا .. إلى كل خطوة كَنديدية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *