أغنية

نصوص أدبية

 

وُلدنا هَهُنا، لكنا وُجدنا منذ الأزل ؛ وحيدون، هائمون وفرِحون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد من حديقة الله المزهرة، منقوشٌ  بأيامه سماء ونجوم.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نكنز بالقلب أمنياتٍ  وسحرًا ودُنى.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نرتق للدهر ألحانًا وشعرًا وغُنى.
لا نكذب عمّا كان، ولا نأمل بما سيكون، وههنا نصارع الأقدار علّها تنصاع حينًا للمُنى.
لأن يتناسى التاريخ دفاتره يومًا، وألا يتبدل كلما ارتُكبت على الأرض خطيّة.
وأن ينصت الكون للقافيةِ حبًا ولأغنية، فيتركنا وقوفًا نموت ونحيى.

ههنا، في المعيشة الطارئة والسياقات العارضة، نحيا.

كأغنية شعبية تخلق الرمزية بلا خناق، مشبعة بالمعنى.
نقيم حدادنا سبعين عامًا على ما خسرناه وانكسر من كل أمنية.
نعتِّق طفولتنا القديمة العذبة، ونشربها على الأرق في الليالي العصيّة.
نرتقب الدمعة كلّما اختلطت بالنجمة، علّها تخلق لنا من السماء جنيّة.
ما زال بالقلب أمنية، وكائنات أسطورية، وبعض عُصٍ  سحرية.
ما زال بالقلب أميرةٌ، وسُحب سارحة، وكنوز، وبحيرة خلود خفيّة.

ههنا، بين ثقل الوجود الشقي ورِقّة الهروب الأبيّ، نحيا.

نسافر أحيانًا، ونبيت أحيانًا، على أمل الوقوع على هوية.
نحن في سِفر الحياديين أنشودة، وأهازيج أفراح شعبية.
لا نحتكر الشعارات، ولا نرى صورتنا في النبوع الوطنية.

الآن،

نحن الآن نتضاحك بأعلى أصواتنا، لأن الحياة بدت حقيقية.
نحن الآن نتساخر في سرائرنا، لأن الناس انقسمت بين إله أو ضحية.
نحن الآن ننسج الهنيّة نكاتنا، ونحيكها بالأحزان، ونحلم.
نحن الآن نجافي الكآبة بدندنتنا، ونهرب إلى الخفاء، نتبسم.

ما زلنا هنا،

لا تشيخ الأمنية .. ما دمنا عامري صداقةً في الصدور الفتية.

لا تموت الأغنية .. ما دمنا عاشقي أصالةً من القلوب النديّة.

غنائيون، عاطفيون، حالمون.
ولا نسأل من نحن .. ما دامت وحدتنا جميعٌ، فلسنا فرادى.
ولا نسأل من نحن .. ما بقينا هناك وهنا، وللطُّهر إذا تنادى.

ههنا، بين جموع المنسيين، وأعين المختفين، نحيا.

هذا السياق العدميّ، ليس منا.
وهذا الرصيف الدمويّ، ليس منا.
وهذا المصير الأزليّ، ليس منا.
وُلدنا ههنا، لكنا كنا منذ الأزل، بلا أفقٍ  أو سجون .. غنائيون، عاطفيون، حالمون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد إلى أغنية الفيروز المورقة، منقوشٌ  بألحانها طيرًا وسكون.

2 thoughts on “أغنية

  1. عندما سيبق السحر البلاغة ، عندما تسبق الأفكار الانساق الجمالية ، عندما ينتصر الانسان على الحياة ، يظهر لنا هذا النوع من الأبنية النثرية العميقة .. بوركت اخي وصديقي احمد ، وسلمت يداك وسأنتظر بكل حب نصوصك القادمة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *