صدى

قياسي

forrest-wallpaper


أطلّت حكيمة من خلف النسيان، وقالت: “من السهل كتابة الأحزان، الأعظم أن تكتب نصًا راقصًا”.


يُؤثر للحظات الجميلات أن تُعاش، بكل تفاصيلها. فكلما ارتميت في قلب الفرح، تغاضيت عمدًا عمّا ينهش روحك. فالسعادة سرقةٌ من جُبِّ القدر، هكذا كانت، وهكذا ستكون.

طُبع في الأيام أنك لا تختبئ من حزنك إلا التقاك، وإن التهيت عنه بملاحقة سراب تدعوه السعادة. وهكذا ترفض حقيقةً بأن الأخيرة طارئة عليك، والأخرى ذاتك أنت. إن أحسنت استقبالها وَجدْتَك. كُتب في الألواح؛ محاولة نفي دائمة للأتراح، لئلا تتراكم عليك فتكسرك، لا تعود بعدها كما كنت، غافلًا  عن استيعابها.

حاول أن تفكك مشاعرك باستمرار، واستقرئ أيُّها أصيل فيك، وأيها دخيل الصدفة الظرفية، محتمل التقلّب في سياق آخر. ستجد في قرارتك شعورٌ مستيطن، بأن السعادة لك حق، يستفزك تهديده، كما تغضب لسرقته؛ شعورٌ ببراءتك من الحَزن.

وتلك خديعة الأمنيات والأحاكي الشعبية، تشابه بعضها سردًا، تُختتم بعبارة متفائلة، تهمس في مسمعك زورًا أن النبل سيكتبها.

طعم الحياد في أرض المشاعر لم يكن يومًا مستساغًا. لذا نفتّش عن سعادة طارئة، نتشدق بها لما استذذناها. وكأننا قبضنا عليها بين كفّينا، مرددين كلماتٍ من الأمل كذبًا، فنؤمن بأنها خلاص الطريق.

ما كتب الأقدمون أقاصيصًا محايدة، حرَّفوا الحياة وجعلوا للنهايات عرشًا زائفًا، وصرخوا بأنها حالة أبدية. لكن القدر ما خبّأ أميرة ولا جنيّة سحرية. فانزل من وهمك واحتضن تربتك، فمنها يبتدئ المسير.

أن تتفاءل، أن تتغافل، وكأنك غير مدرك لمُصابك، ولا مؤهل للإبصار. لم يتبسم واقعًا قط، لكن لا تبتئس. يقول صبيٌ في غاباتك: “انحت ثورتك، وأعطِ لرفضك صوتًا، وسأكون لكلماتك الصدى”.

أوراق الياسمين

قياسي

Cool-Lonely-Wallpaper-Boat-Image-Fog-Picture


كما جئت العالم وحدك أول مرة، ستمضي وحيدًا.

لا ظلال من السماء تؤويك إن غضبت الشمس. إن هو إلا مسيرُ طير السنونو وحده، والرِّيح تحمل أوراق الياسمين. فاحم رأسك بيديك، أو احمها بظهرك، فأنت تستحدث وطنًا لك وحدك.


كما جئت العالم وحدك أول مرة، ستمضي وحيدًا.

لا تدبرُ الغربة عن بشرٍ، إن لامسته بادئ الأمر. فمتى استيطنت، مسخَت فؤاده مرتعها، يستلذذ دمَ الخيبة خمرًا.

لا القُبلة تشابه الأخرى، ولا أسىً يناسخ ذاته، لا يتكرر الحريق، ولا الانفجار.

فاحتضن غربتك متى أقبلت، وقبّلها كما قبّلتها أول القصيدة، وإن كان لشفاهها مذاق دمعِك ودمِك. واقتطِع بين القوافي لها عبارة، لا تحبس الأنفاس عن موعد الذبول.


ماذا نقول؟ وللقلب المكفهرِّ الكهول؟

فانتظرها متى غفَت، وغنِّ لها بين جموع المتناسين. لكل الأمنيات في سواها خيبة ترقبٍ وأُفول.

وانتظرها، وإن تنكرّت للمغنى والقافية. وانتظرها، تتبع كل فرحة بميعادٍ للوصول.


ماذا نقول؟ والأغنيات شحيحات في الحقول؟

سيكبُر حزنك يا صديقي، أعوامًا، أعوام،

ستنعي خطاك الشجر أوراقًا، أوراق،

وتبقى حزينًا، لا قلبٌ يواسيك.

وتبقى وحيدًا، لا كفٌّ يُسلِيك.

فآلِف حزنك، ودلل نَسلك اليتيم.


كما جئت العالم وحدك أول مرة، سأمضي وحيدًا.

لم يزل قلبي يسمعكِ، حنينًا، أنينًا، وشكوى.

لم يزل الدمع يلتهفكِ، خطىً متلهفةً للنجوى.

ما زال اسمكِ مَبهجًا، ورِمشكِ مقصدًا، وأمنية بأن في عينيكِ كل ما يستحق الحياة.

حلم

قياسي
Surreal-Loneliness-Scene-in-Photoshop

في البدء كانت الابتسامة، من شفتيكِ أنتِ. ثم ازدانت الأرض مروجًا وأشجارًا، وآلهة وكلمة.

في البدء كنتِ أنتِ، جميلة متأنقة كما عهدتكِ، مثلما أراكِ، في الغفو وفي الصحو، بين التل والنجمة.
كانت السماء مُعسرة، تتكدس على أبوابها رجاءات إنسٍ يائسة، وأمانٍ، وصدىً لأمٍ غجرية.
كانت الأكف مبسوطة، لم تعرف ماهيّة أن تقبض، أو تدفن كنزًا في شقوق الراحة المنسيّة.
كانت الشمس حاكمةٌ، آمرةٌ وناهية، تستبد عن إرادة بحياتنا، تتساخر كِبرًا بأمنيتنا، تهدد بالظمأ كيفما شاءت، وتهبنا شيئًا من كرامتنا متى شاءت.
كانت لمدينتنا شواطئ رحمة لامعة. كان الموج يسمعنا، يحادثنا بأغنياتٍ وأحجياتِ عجوزٍ سارحة. تضحي الشمس بقربها أضحوكة، ومتعة بشر ترفيّة.
كانت الليالي مقمرة، وكنت يافعًا تسكنني أسطورة أن السعادة لا يحوزها من لا يحصي النجمات الفضيّة.

أحلمُ بصبيٍّ يقطف وردة لصديقةٍ من أنقاض حربٍ وحشية. 

أحلم بصبيٍّ، يطبعُ قُبلته على الحجر، والمطر، وعلى أناملها العاجية.
حالمًا، يشدني طيفكِ إلى زهو السهو، وحكايات بدايات الكون وبدء المعنى، أشجانًا، ألحانًا، ومغنى.
حالمًا، تكبني الأشواق إلى صدغينكِ، قُبلةً وقِبلةً، نطرد الأحزان، عند وقع البُعادِ، واستحالة المدنى.
فالعين لؤلؤة، والقلب خمارة، تعتصر حنو القمر على البحر والمرجان.
والجفن ليلكة، من أرض زهر، منبت عِنب ورمّان.
سرابية، محالة العهد بالخطو، عصيّة الوصل كالغيم، للأسف.
وتقلُّب أبراج سماوية عن مدارها، والبصر إذا عن بهاؤك انحرف.
أيا زلاليّة الخطوات، ما حيلة المشتاق إلى عبيركِ فائحًا وردة بين ثنايا القميص وعلى الجبين؟
أيا بُياتيّة الأنفاس، حجازية الطرَفات، ألا حنانًا يبدد وحشة كفّينٍ جامدتين!
أن أكون وحيدًا حيث ارتوت الطرقات من أمطارك، فهذا معنىً للوجع.
ألا أشفى من حنين معتّق، نضب اصطبارًا عند بابكِ، فهذا معنىً آخر للوجع.

أحلمٌ بصبيٍّ يسرح هنيّة في أحاديث صديقةٍ، بضواحي وطنٍ مزويّة.

أحلمُ بصبيٍّ، يلثم ثغر طيفٍ، ونسمة صيفٍ، وأحاديث حبٍّ رمزية.
أن أكون حِدادًا في جموع المحتفين فهذا معنىً للوحشة.
ألا تستوعبك أيامي، فينقًا وفتنةً فهذا معنىً آخر للوحشة.
كان بالمسرحية مشتاق، لاحقته جيوش المارد إلى شطآن الحدود.
فضرب البحر بعصاه فانفجرَت، وبقي البحر الجلمود.
لم تتحين الليالي تجليات أقمار، فكنت بذكرى أغنياتك أترنم.
لم تتبدل السماوات طوعًا لشاعر، فكنت بأحلام لقياك أتكلم.

أحلمُ بالقهوة تنتظركِ، والبصر يختزلكِ، والخصر تبتغي أذرعًا تحتضنكِ.

أحلم بشعركِ الليلي، وعقدكِ القرمزي، ووجنتا أخيلٍ تتورد تخجلكِ.
أيا سليلة الأمواج، ثوري، نتوارى في كهفكِ المنشود عند النهر والقناة.
أيا سريرة الأشعار، قومي، ننحت بالجدران أن بفضائكِ كل ما يستحق الحياة.
سألتكِ بالذي أودع فيكِ سر الأكوان كاملةً، أن راقصيني على النار، نبعث من الرقاد أسطورة ولَه منسية.
سألتك بالذي كلّم جراح عاشق نائمة، أن شدي إليكِ حبل الوصال، تتفجر الشمس، وتتساقط الغيوم تذيب أثر حرب وحشية.

الكوميديا مأساتنا المعكوسة

قياسي


لا يمكن أن أكون الوحيد الذي يخالجه شعور طفيف بالذنب إذا ما ضحكت على بعض النكات. فإذا ما نظرنا إلى عموم الساحة الكوميدية اليوم، نجد بأنها تسعى بشكل أكبر إلى تجاوز الخطوط الحمراء الأخلاقية أو الاجتماعية، وما يُسمى بالتابوهات إن استخدمنا مصطلحاً أكثر دقة. سواءً أكان ذلك فلمًا أو عرضًا كوميديًّا، فالجميع يسعى إلى النطق بما سكتنا عنه، وفضّلنا نكرانه أو تجاوزه، معتمدين على مساحة من الحياة لم نتجرأ على السخرية منها. وهذا هو أساس الكوميديا الحالية، فلطالما ارتكزت الكوميديا على مر العصور على عنصر المفاجأة بشكل أساسي، وعنصر المفاجأة هذا حاليًا هو المواضيع غير المنطوقة. لنتحدث مثلًا عن أغلبية الكوميديين على الساحة، فيمكن تلخيص أغلبية المواضيع التي يتطرقون إليها بالجانب الجنسي، الديني، السياسي، العنصرية العرقية، بل وحتى قد تكون سخرية من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن لغة الإشارة التي يستخدمها الصم البكم. وقد يُعد ذلك منه مضحكًا وظريفًا، ولكن وعلى الجانب الآخر، فلا أعتقد بأن أيًا من الآباء لن ينهر ابنه إذا ما سمعه يسخر بهذه الطريقة أو يتطرق لكل هذه المواضيع محاولًا إثارة ضحك المستمعين. فهذه المواضيع تشكّل تابوهات أخلاقية أو اجتماعية، لا يُسمح بتجاوزها عُرفًا، بغض النظر إذا ما كان لتجاوز تلك التابوهات أثر إيجابي أو سلبي على حياتنا وطريقة تفكيرنا.

يقول الأديب الإنجليزي الشهير (شكسبير): “تتضمن كل مأساة، عنصرًا من الكوميديا. الكوميديا ليست إلا مأساةً معكوسة”. فمأساة كالكساد العظيم، أو الانهيار الاقتصادي الكبير الذي شهده العالم، بداية من 1929 وحتى أوائل الأربعينات من القرن الماضي، كانت دافعًا ليُطلق الكوميدي البريطاني (تشارلي تشابلن) فيلمه (Modern Times) 1936، منتقدًا بأسلوبه الساخر تلك المدنية الحديثة التي سعت إلى استبدال العامل البشري في الصناعة بالآلات الحديدية. واصفًا ذاك الجشع البشري في استنزاف كل شيء، بداية من الموارد الطبيعية، إلى طاقة العامل البشري المسكين في المصانع والمؤسسات. ويُقال بأن الكوميدي البريطاني قد تأثر بمشاهدته لأعداد المتشردين والعاطلين عن العمل، وازديادهم عددًا بوتيرة حادة، ليخرج بعدها بفكرته عن الفيلم. فالكوميديا في تلك اللحظة تجلّت بأرقى صورها، مستمدّة من الشارع مأساته كموضوع أساس، في سبيل مواجهته وإيجاد الجرأة والشجاعة لمحاربة تلك المآسي، فهذا هو أحد أهم أسباب الكوميديا، خلق الجرأة لمواجهة ذاك الموضوع الذي تتناوله. وإذا ما تطرّقنا إلى فيلم 1923 (Our hospitality) كمثال آخر، يمثّل فيه الكوميدي الأمريكي (باستر كيتون) دور الشاب البسيط العائد إلى مدينته الأم، وكله شعور بالحنين إلى الوطن والأمل بالحياة الكريمة التي سيرسمها بعد ذلك، ليتفاجأ بكونه طرفًا في خلاف قديم بين عائلتين، لم يعد أي معاصرٍ يذكر أسبابه، وإنما يتذكر الجميع الكراهية المتبادلة. لينتقد بذلك تلك الخلافات العائلية القديمة، ويبيّن أثرها السلبي على حياتنا اليومية، وبأنها تقف عائقًا بيننا وبين الحياة الكريمة التي نصبو إليها جميعًا. وهذا ما أقصده عن الكوميديا في أرقى صورها؛ عندما تقف الكوميديا كمتحدث شعبيّ ضد المآسي.

لن أقول بأن الكوميديا اليوم تحتضر أو أنها منعدمة، فالكوميدي الأمريكي (ستيڤ كارول) مثلًا، يُقدم كوميديا جيدة في وقتنا المعاصر، تستمد مواضيعها من الحياة البسيطة للفرد، بوجهة نظري الشخصية على الأقل. حتى الساحة العربية المعاصرة لا تخلو من الكوميديا الجيدة، فيلم (عسل إسود) مثلًا  للفنان المصري (أحمد حلمي)، الذي يتحدث عن الشاب المغترب العائد إلى وطنه الأم، ليكتشف شكلًا  جميلًا  من الحياة، لم يتمكن من رؤيته بأعينه الغربية في بداية الفيلم.

لكن سأقول بأن الكوميديا ككل أشكال الفنون، انقسمت إلى راقٍ وتجاري ؛ فالكوميديا الراقية تستمد من الشارع ومن أنفس الشعب همومه ليواجهها، كما ذكرت مسبقًا. بينما الكوميديا التجارية تضرب في جميع الاتجاهات التي تحقق للمؤسسة التجارية أرباحها، بشكل جد طفولي وغير مقنن. معتمدة في ذلك على تحوّل أغلبية الأفكار عن الحريات إلى مطالبات ساذجة بعيدًا عن الفكرة الأصيلة، فالمطالبة المستمرة بالحرية تُعد أحد معالم هذا العصر، ومن هنا تظهر العديد من أشكال المطالبة بها، الفرد ضد المجتمع، النسوية ضد الذكورية، المواطن ضد الدولة، الأبناء ضد الآباء، إلخ.. ولكل من هذه المطالبات أشكال ساذجة كثيرة، بدعوى أن كل التفاصيل لا تتجزأ عن الفكرة الأساسية، أو لأسباب أخرى كعدم وضوح الفكرة أو غيرها. المهم، بأن الكوميديا التجارية تأثرت بهذا الجو من نقد الموروث، مما جعلها تتحول إلى أن تكون قنبلة ذرية في وجه التابوهات، أو الخطوط الحمراء، بغض النظر عن النتيجة المرجوة من هدم الموروث الثقافي الاجتماعي الأخلاقي على حد سواء. ومن هنا يُخلق ذاك الشعور الطفيف بالذنب الذي تحدثت عنه بادئ الأمر.

تبقى المشكلة الأولى -بالنسبة لي- في عالم الكوميديا، والفكر على حدٍ سواء، هو شخصنة المواضيع، لهذا أجد بأن الكوميديا الناجحة هي التي تتطرق إلى المواضيع بعيدًا عن الأشخاص. وكما أنني أعتقد بأن حرية الفرد تقف قبلما تخدش كرامة أية حرية لإنسان آخر، فأجدني أيضًا منزعجًا من الكوميديا التي تضرب بكرامة أي إنسان عرض الحائط، وبشكل خاص من السخرية ممن يواجه الحياة مبتلىً بلا حول له أو قوة، لظروف قهرية.

وكنقطة أخيرة؛ أعتقد بأن على الكوميديين تقدير الكوميديا حق قدرها، واستعياب دورها على حياتنا اليومية، وبأنها ليست ضحكة مجردة فحسب، لهذا أتمنى بأن تختار الكوميديا المعاصرة مواضيعها بعناية، وألا تكون مجرد ضربة عشوائية بهدف ترويجي بحت. بتعبير آخر على الكوميديين تقدير الكوميديا حق قدرها، فللكوميديا بوقوف الضحكات في صفها الأثر الأقوى في هدم التابوهات ونقدها، إيجابية كانت أو سلبية.وفي النهاية، سأستشهد بمقولة البوسني كوغكو، أحد الشخصيات الرئيسية في فيلم Twice Born، مُوجِّهًا شابًا إيطاليًا، ليقول: “إذا ما أردت أن تفهم الحرب وأثرها، فعليك أن تستمع إلى كوميديّ وهو يشرحها، باستر كيتون مثلًا”.


تم نشر هذه المقالة في صحيفة (هافينغتون بوست عربي).

الحياة بعيدًا عن المعنى

قياسي

تشارلي تشابلن


لا أظن أنني إذا ما ذكرت (تشارلي شابلن)، الكوميدي البريطاني، أنه سيتشكّل في مخيّلة المستمعين بغير الشارب القصير، مع قبعته الصغيرة، وعصا البامبو التي تتكئ إلى جانبه بملابسه الرثة الفضفاضة، والتي بدورها تضفي طابعًا كوميديًا على تحركاته، حتى البسيطة منها.

لكنني حاليًا لا أقصده في شخصية (الصعلوك) التي اشتهر بها، والتي كان ظهورها الأخير في فيلمه City Lights (١٩٣١)، بعدما نطقت لأول وآخر مرة في نهاية الفيلم، بأغنية غير مفهومة، كلماتها مزيجٌ من عدة لغات، وبعض الإيماءات شارحةً المنطوق.

أنا أقصد (تشابلن) في فيلمه Limelight [١٩٥٢]، الذي يبدأ بأن ينقذ فيه جارته الشابة من محاولتها للانتحار، ليدور بعدها بينهما حوار عظيم، أحسب أنه حجز مكانه في ذاكرتي من مشاهدتي الأولى له، فعندما تبرر الجارة محاولتها للانتحار بعدم الجدوى المطلق في كل شيء، وبأن الحياة غدت بلا هدف أو معنى، يرد عليها (تشابلن): “وإلام الحاجة إلى المعنى؟ مزاولة الحياة عبارة عن رغبة، وليست معنى. فالرغبة هي ثيمة الحياة، هي ما يجعل الأزهار تتفتح بالشكل الذي نراه، وما يجعل الأحجار تنكفئ على ذواتها لتحتوي أنفسها بالشكل الذي نعرفه”.

أنا أحد أولئك المعتقدين بأن فقدان الرغبة في مواصلة الحياة لا يمكن أن يكون حالةً طبيعية، بأي شكل من الأشكال. وبأن اعتناق هذه الفكرة هو حالة مُكابرة شاذة، وإن ادّعى أصحابها عكس ذلك، وأن هذه الفكرة ستهدد بشكل قوي إذا ما أُحيلت الاختبار بشكل جديّ على أرض الواقع.

وأعتقد بأن الإنسان لا يمكن أن يكون عدميًا بالمطلق، بل إن الحالة العدمية المطلقة لا يمكن أن تتواجد إلا كشخصيات أدبية، صيغت الحياة من حولها لأجل إظهار هذه الصفة بتجلياتها فيهم. كالشخصية الرئيسية في رواية (الغريب) للأديب الفرنسي (ألبير كامو)، فهي شخصية لم تبد أي اهتمام بالحياة، رغم سير الأحداث في القصة، ولم ترغب أبدًا في الحياة إلا عندما وجدت طريقًا إلى الحب، وقتها فقط شعرت برغبة في مواصلة الحياة.

يقول (كامو) في مذكراته: “بؤس هذا العالم وعظمته، في كونه لا يهب الحقائق أبدًا، وإنما الحب فقط. فالعبثية تسود، والحب وحده ينقذنا منها”.

فقد يكون أحد مميزات عصرنا الحالي هو حالة عدم التأكد من أي شيء، فلا يسود الساحة غير الشك، وكل فكرة معرضة للسؤال، وقد يعفو عليها الزمان إن هي لم تتمكن من الإجابة والدفاع عن ذاتها بشكل مقنع. لن أتطرق إلى ما كان ذلك إيجابيّاً أم سلبيّاً على المدى الطويل، لكنني سأقول إن حالة الشك هذه صعبة، وغير محتملة للأغلبية. وأعتقد بأن هذا هو أحد الأسباب في أن القصص الرومانسية تجد طريقها بسهولة إلى القراء، وإلى مشاهدي الأفلام والمسلسلات التلفزيونية.

فالحب يقدِّم ذاته إلينا كالمؤكَّد الوحيد والأجدر بالثقة في عصرنا الحالي. يقول الروائي البرتغالي (خوزيه ساراماغو) في روايته (قصة حصار لشبونة) على لسان إحدى الشخصيات: “أنا لست متشائمًا، وإنما متشكك راديكالي. وقد يكون الحب هو الشيء الوحيد الذي يؤمن به المتشكك، أو بالأحرى أن نقول أنه بحاجة إليه”.

وفي مواجهة ذاك الشك العارم الذي يجتاحنا، يدافع الأغلبية عن أفكارهم وآرائهم، خاصةً أولئك الذين يُعرِّفون أنفسهم للعالم وِفق تلك الآراء، ومن هنا يظهر مَعلَم آخر للعصر، وهو حالة الذعر أو الخوف، خوفٌ من خسارة ذواتنا إن خسرنا تعريفنا لأنفسنا، ومن هنا نتجت ردات فعل ساذجة في الدفاع عن الأفكار، أو الدافع للتشبث بالحياة، كالإيجابية المطلقة التي ترفض كل مآسي العالم، فتنكرها تارةً وتسخِّفها تارة أخرى. دعوني أقول إن أولئك الإيجابيين هم الأكثر انكسارًا إذا ما عصفت الحياة يومًا.

“لماذا نستمر في حياتنا؟ وما الذي يدعونا للتشبث بها بقوة؟”، يتساءل تشابلن في حواره السابق مع جارته، ليكمل مجيبًا: “كل شيء. الحياة ذاتها أليست سببًا كافيًا؟ لأن نعيش، نعاني، نستمتع. الحياة قد تكون جميلةً رائعةً، حتى بالنسبة لأسماك الزينة”. ويضيف: “ستجد الحياة جميلةً إذا لم تكن خائفًا منها. كل ما أنت بحاجته هو التحلّي بشيءٍ من الشجاعة، والخيال، وشيءٌ من النكتة”. فلا يمكن مواجهة الحياة دون السخرية من معاناتها، فمن حق الضحكة الجيدة علينا أن تبدد خوفنا، وأن تمحي عنا حالة الذعر هذه.

أعتقد بأن الحياة مدينة لنا باعتذار لأنها لم تتجلّ لنا كاملة، لأنها بخِلت علينا بشيء مما تملك. وأعتقد بمقولتي تشابلن في أحد حواراته الصحفية: “الحياة تراجيدية إذا ما نظرت إليها عن قرب، كوميدية إذا ما نظرت إليها بالمجمل”. و“بأنك ستضاعف من ذاتك، كلما تعلمت أمرًا جديدًا”.

ضاعف من ذاتك، تلقَّ من الحياة تجاربها قدر المستطاع. ومارس الحياة بكل تفاصيلها، الحياة رغبة، مزاولتها رغبة، والمعرفة هي الأخرى رغبة. وفي النهاية، “فالحب والمعرفة، كلمتان مترادفتان للشيء ذاته”، كما يقول (ألبير كامو).


تم نشر هذه المقالة في صحيفة (هافينغتون بوست عربي).

 

أغنية

قياسي


وُلدنا هَهُنا، لكنا وُجدنا منذ الأزل ؛ وحيدون، هائمون وفرِحون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد من حديقة الله المزهرة، منقوشٌ  بأيامه سماء ونجوم.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نكنز بالقلب أمنياتٍ  وسحرًا ودُنى.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نرتق للدهر ألحانًا وشعرًا وغُنى.
لا نكذب عمّا كان، ولا نأمل بما سيكون، وههنا نصارع الأقدار علّها تنصاع حينًا للمُنى.
لأن يتناسى التاريخ دفاتره يومًا، وألا يتبدل كلما ارتُكبت على الأرض خطيّة.
وأن ينصت الكون للقافيةِ حبًا ولأغنية، فيتركنا وقوفًا نموت ونحيى.

ههنا، في المعيشة الطارئة والسياقات العارضة، نحيا.

كأغنية شعبية تخلق الرمزية بلا خناق، مشبعة بالمعنى.
نقيم حدادنا سبعين عامًا على ما خسرناه وانكسر من كل أمنية.
نعتِّق طفولتنا القديمة العذبة، ونشربها على الأرق في الليالي العصيّة.
نرتقب الدمعة كلّما اختلطت بالنجمة، علّها تخلق لنا من السماء جنيّة.
ما زال بالقلب أمنية، وكائنات أسطورية، وبعض عُصٍ  سحرية.
ما زال بالقلب أميرةٌ، وسُحب سارحة، وكنوز، وبحيرة خلود خفيّة.

ههنا، بين ثقل الوجود الشقي ورِقّة الهروب الأبيّ، نحيا.

نسافر أحيانًا، ونبيت أحيانًا، على أمل الوقوع على هوية.
نحن في سِفر الحياديين أنشودة، وأهازيج أفراح شعبية.
لا نحتكر الشعارات، ولا نرى صورتنا في النبوع الوطنية.

الآن،

نحن الآن نتضاحك بأعلى أصواتنا، لأن الحياة بدت حقيقية.
نحن الآن نتساخر في سرائرنا، لأن الناس انقسمت بين إله أو ضحية.
نحن الآن ننسج الهنيّة نكاتنا، ونحيكها بالأحزان، ونحلم.
نحن الآن نجافي الكآبة بدندنتنا، ونهرب إلى الخفاء، نتبسم.

ما زلنا هنا،

لا تشيخ الأمنية .. ما دمنا عامري صداقةً في الصدور الفتية.

لا تموت الأغنية .. ما دمنا عاشقي أصالةً من القلوب النديّة.

غنائيون، عاطفيون، حالمون.
ولا نسأل من نحن .. ما دامت وحدتنا جميعٌ، فلسنا فرادى.
ولا نسأل من نحن .. ما بقينا هناك وهنا، وللطُّهر إذا تنادى.

ههنا، بين جموع المنسيين، وأعين المختفين، نحيا.

هذا السياق العدميّ، ليس منا.
وهذا الرصيف الدمويّ، ليس منا.
وهذا المصير الأزليّ، ليس منا.
وُلدنا ههنا، لكنا كنا منذ الأزل، بلا أفقٍ  أو سجون .. غنائيون، عاطفيون، حالمون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد إلى أغنية الفيروز المورقة، منقوشٌ  بألحانها طيرًا وسكون.

سرب

قياسي

200501491


لنا قصة في سربنا، نحييها بالنغم، عن صغيرنا الذي مضى، ولم يكن له كفن.
لنا غنوة في صدرنا، ندميها بالندم، عن أوجاعنا المتخثرة، عن الظلم والألم.
صاحت أجنحتنا الجريحة:
“كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر”
كل سماء ولها أكفانها
كل ليل وله منغم خائر

هي ثورة، وهي انتفاضة، هي كلمة (لا) هوجاء منقوشة على الحجر.
هي نارٌ، ألف إعصارٍ في وجه النسر الذي حرمنا حقنا في القمر.
حمراء، بدماءِ أجنحتنا البريئات.
بيضاء، بوفاءِ رفرفاتنا الجريئات.
سوداء، كالغيم، كالرّعود، كألوان اليأس والقيود.
هي الثورة، هو حدادٌ ينتفض عن تراتيل الأحزان.
هو التمرد، مستبدلًا  كحل العين برماد البركان.

“كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر”
كل سماء ولها أكفانها
كل ليل وله منغم خائر

ظلت جموعنا تهتف متمردة، فهذه السماء لنا، هذه الأرصفة لنا، وحواف الأسقف منا.
باسم ريشاتنا الناقصات، باسم أرواحنا الثمينات، وباسم الشعر والقصيد، والهديل والمغنى.
حمراء، كالسجن صولجان الضيم.
بيضاء، كالحُرُّ حواريُّ الغيم.
سوداء، كالنسيان، كالكلِم، كالموت، واحتضار الفهم.
لابد لهذا الليل من شمعة تحييه، تطلع بها النجوم، ويتورد القمر.
لابد لهذا الظلم من نضال يمحيه، نزفه ألحانًا، يعود بها السمر.

“كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر”
كل سماء ولها أكفانها
كل ليل وله منغم خائر

هديلنا هدير، نسيمنا صليل، والسلام تمجِّده فضيلة قتل واحدة، ليست بجريمة.
فاليوم للثورة، يومٌ نقتنص فيه خروجًا من هذا الكهف، نمحي به عن سمائنا كل معاني الخوف.
واليوم للانتفاضة، سنفقئ مقلتي جالوت، ونعمُر على الأرض ألف أقحوانة لا تموت.
هاهي جموعنا تهيج، وتهتف متمردة، هذه السماء لنا، هذه الأرصفة لنا، وحواف الأسقف منا.
باسم أيامنا الناقمات، باسم قلوبنا الهائجات، وباسم الشعر والقصيد، والهديل والمغنى.

ابتدأ يوم الغضب، وغابت الشمس والقمر، وانتهت خمسة أعوام دون نصر، دون أن ينطفئ منا الجمر.
فلا هي تراقصت ظلالنا، ولا طار سربنا، ولا أنِسَت نجومنا، ولا جاء النسر.

خيبة

قياسي
Hopeless-4fd5b14b0d0f2

كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الرهبان على صُلبان الألمِ، والشكِّ، واليأس.

وأنا أسير صليب مجتث يترك آثارًا لغيري، علّها يومًا تنهي مسيرة هروب !
كل الأرواح متسمّرة على خُشُب من ظلام، وكذبات تاريخ يتملّق الطغاة السافِحين.
لعنة، وألف قيد .. ماض يلعن المستقبل، ولحظات تهدم ساعات، والمسير الطويل يتوه بخطوة.
وكل مفترق طريق يُستَنطق جهالَة، وكل محاولة انفكاك تسخر منها الاستحالة.
والإعصار العبثي يلتهم كل أمل فينا، يلتهم خرائطنا ويلفظها وجعًا للمصير.
إلام مصيرنا المشؤوم هذا، الذي انعدمت فيه اختياراتنا وأُقسرنا على كل ما فيه؟
وكيف سنختار مسيرتنا قبل أن تحدد فيه خياراتنا؟
كيفما ستتبين خياراتنا ما لم يكن لنا باع من تجربة؟
كل الأزمنة والأمكنة مُشرَّعة أمام ناظريك، لكنك لا تختار، غير ممكن هو الاختيار.

كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الجثث ألمٌ، وشكٌ، ويأس.

لا تقف على أحزانك، فأرضك دوّارة، وأنت مرغم على كِلا الجري والدوران.
لا تقف، لا تبصر حالتك، لا تدرك ذاتك، وأغمض جفنيك عن سيطرة السياق والخناق.
لا تنظر إلى أمسِك، شقاؤك هموم يكتنزها غدُك.
ولا تنظر أين تسقط أقدامك، واخضع لعبودية أحكمتها عليك العصور .. عبودية الاندفاع !
نقطة نور، هو كل ما يلزم البشرية لتَحسِب الدنيا ضياء.
قطرة ماء، هي كل ما يلزمهم ليظنوا بأنهم مُشاة على البحار.

الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيِّف بالأمل، وكل ما بأيديهم رغبةٌ واندفاع.
ألف قطرة تحفرِ صخرة، لكنها لا تقتل البحر.
ألف خطوة تقطع ميلًا، لكنها لن تنتهي إلى القمر.

الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيف بالأمل.
ينشرون قصصًا رخيصة تنتهي بالتقاء عشيقين، وأغان تزف الزيف مجدًا رخوًا.
وقواف منظومات يحتَضِن شاعرها وصورته على النهر، تطقطق في نيرانها صرخات الساذجين.
طقطقة أمل بقبلة أبدية، أمنية حب لا ينتهي، ورغبة بالعناق الأبدي.
كل نيشان ثقيلٍ على صدر الحب يفتت أقدامه أكثر، فأكثر.
كذبات أخريات تشبعت بها أيامنا، كذبات أخريات تكررت لتحضُر وتكون.
كل ما يتعالى على الأزمنة، ينال عرشًا بالأفئدة. والكل ينتحر بعيدًا عن كل العصور.

كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حطام، تعلوها جثث ألمٍ، وشكٍ، ويأس.
كل من يكترث بالموتى لم يرفع كلمتَه على المِقصَلة، كل من يهاب الموت لم يقطع حبلَ المشنقة.
الإنس تفرقهم أيامهم، تجمعهم مصائب بعضهم، والهلع في أعينهم يسقيهِ خوفهم من أسطورة المصائب أنها مُعدِية.
لا تحزن، لا تبتسم، لا تيأس، واحم جنونك بسور عن أعينهم، واختبئ أنت وراءَ الأقنعة.
كل من تغنى بضياء القمر لم يحفل يومًا بظلمته المختَفِيَة.
لا تحزن، إذا ما رفضك الجميع، وأحبوا أقنعتك. يكفيك أنك لم تزل قبطانًا من خلف الأشرِعة.
لا تبتسم، إذا ما جفت أدمعك، واستحضنتها الأتربة. وشيّعها مسيرة كفاح ولَهَا أجنحة.
لا تيأس، سنطفئ نيرانهم بدمائنا، وستنبت من مُقلتينا في مدينتهم ألف زهرة.
ولا تهتم، ولا تكترث إذا ما خانتك القدود السمهرية، واتّقتك الخُطى الأكتوبرية.
أتمنى فقط أن تتغير السماء، وتتبدل الأرض، وأن تنطفئ النجوم.
يا مرنمًا بأطهر الصلوات،
يا شاعرًا،
ويا قلبًا من أغنيات،
يكفيك أن صدرك لم يزل فضاءً حيًا، ألحانك فيه طير سرمدية.

حياة

قياسي

candle light background


سأوقد شمعة عن كل حلمٍ انكسر، حتى يحترق عالمهم بمعنى الخيبة والألم.
وسأنحت رسمًا على العدم، وعلى ما كان، وما استحال، وما قُدِّر له أن يكون.
وأبدد ظلمات الكون بقبسٍ من خلود، تطقطق بها أنغام شوقٍ وتراتيلٍ ووعود.
لياليهم تراكمات تاريخ وتابوهات وآثام، تبتلع أرواحنا وطفولتنا لتغيب عنها الشمس.


وفعل الحياة فعلٌ من مقاومة.
فنادي بجيوشهم على باب مغارتنا، بأننا نثقب في جبالهم ألف منفذ للحياة. وستغدو طرقاتنا وَضحًا من نهار، تبرق فوق دروعهم عواصفًا ورعود. وليتوهّج قلبك الفضيّ، واخلعي عنه سجن صدرك، نحن أرواح لا تعترف بخطٍ زمني، ولا بقيود المسافة ولا الوجود .. نحن أنوار سماوية خارجة عن كل هذه الحدود.


لاشيء منا هنا.
لا ننتمي نحن إلى تراكماتهم هذه، لا التاريخ لنا، ولا الآثام منا، ولا تابوهاتهم تمنعنا .. لا شيء منا هنا.
لن نلتقي رمادًا أسفل جحيمهم، لن نتآكل كسنواتٍ من بدع، ولا مزاميرنا ستستيغ الوجع.


لا شيء لنا هنا، ولا يعجبنا من دَركاتهم شيء.
كوني ثوْرة كبرياء، كوني سؤالًا من حنين، كوني قطرة فجرٍ سخية.
كجملة رفض على كل الأركان، فلا يستعبد الموت إلا من يرتجي منه الصفاء.
كقصيدة حب ممتدة على أسوار المدينة، لا تحتبس بعدها أشواقنا ولا يتعذر النعيم.
كورقة تَخضَر في كل خريف .. حسبكِ أنك عاشقة، وحياة العاشقين أولها خلود.


عمرنا نحن ساعةُ عناق.
لهفة حياة وتمرد واشتياق.
أجراس حسٍّ وحبٍّ وضمير، وغابة تفجرت عن يابس السياق.


عمرنا نحن ساعةٌ من عناق.
جَدولٌ من أغنيات وأوتار وسجود.
كلما ترنمنا بها ازدان الوجود صلاة وورود.
وأنتِ الحقيقة .. يا قِبلة السماء، وأمان النيريد.
شفتيكِ سُكْر هوىً، وأنفاس هُيامٍ، واختلاجات قلبٍ للجنون.
عيناكِ بصيصُ وطن لا يموت.
عيناكِ زُخرف إيمانٍ من أغاني أطهر الفيروز ببيروت.

رسالة إليّ أنا

قياسي


زهور عمري كانت هي سقياها، كنت أنا الأرض التي أجدبت، وهي السماء التي تظلني وعني أمسكت. فصيّرتني سجينها بين الأربع حيطان، وكانت هي والقدر سجانتي ويأسي ووحدتي. رمتني مستوحشًا وسط كل ذاك الفراغ، لا أمل، لا بصيص، بلا اطمئنان.
لا تولد العنقاء من رمادها في كل مرة، حتى الشمس ستسأم يومًا من مشرقها وطلوعها المتكرر بلا فائدة.
أنفاسي قطران، سقياي الجحيم والنيران، وكل ما كنته أنا كسيح قزم، وجيفة تعافها الغربان. مددت ما تبقى من ساعدي، لأخط بعيني على جدرانك أني أكرهك، أكره تقديسي لكِ وصغاري عندك، أكره فنائي في كل ما هو عنكِ، أكرهك من شدة حاجتي لكِ.
وكتبت بهواني وخيبتي رسالة مني إليّ، علني يومًا تهت من نفسي، من الماضي، والتاريخ، ومن كل الذكريات.


الخوف، الروح، الحب والاطمئنان، كل المعاني تلتصق بالاهتمام.
وأنا لم أهتم إلا بذاتي وعقلي المشرئب بالذكريات. كل الأحجار على رقعتي حركتها أنا، لي ولذاتي، وبكل مفردات الخطيئة العائمة فوق الأنانية، كنت أنا كل اهتماماتي .. حتى انتشلتني هي.
يا نبيلة الطاولة المستديرة ؛ لم أفهم تمجيدك للأسماء، فالفضيلة فينا تقتلها الخطايا في الآخرين، لا يتقبل البشر الطهرَ والملائكة بينهم.
يا سيدة البرق والسحاب ؛ لمَ التبسم لأيامنا وهي التي تلتف من ورائنا كلما غفلنا عنها ؟
يا جمالًا، ويا بهجة ؛ إلام تصير أجسادنا، التي تشل حركة أرواحنا كلما انشغلنا ؟
يا مؤنسة الأيام والقدر، والسيف المسلول على روحي وحدها ؛ إلامَ تتشكل الأيام، وأنا المستعبد في قصة عشقك وعينيك ؟
يا كمالًا، وصبابة، وكل الأشياء التي لا تُصدق ؛ إلامَ المسير وأنت كل المعنى في كل الخطى، وأنا الهباء في الميزان عندك ؟


الخوف، الهواجس، الانتحار، وكل مواجهاتنا للحياة ثورة ضد الأسر والاهتمام.
أسخف ما نتذكر الأسماءَ، فلا يدل الذل والخطايا علينا إلا المدلولات، وتشبث الفضيلة بالأسماء تمحوه الخطايا. كم ستبدو حياتنا أكثر خفة وليونة، إذا ما تخلت عنا هذه الأصابيع والكلمات التي تشير إلينا.


من أين أتاني الحزن يا مليكتي، وكيف جاء ؟
محملًا بكل الخطايا المنمّقة، والشحوب والخيلاء.
أولئك الذين انتقدوا الأنانية يومًا، انتقدوا مصلحتهم التي لا يرونها فيك. لا عيبًا في الأنانية ؛ هي توقعات الآخرين التي تسبقك إليهم، وتؤصل فيهم خيبات الأمل كل يوم، وتتركك للغربة والوحدة في كل مرة.
لا تتأففي إذا ما ثرت في الطريق وحدي، إذا ما حطمت القمقم المسدود في عصوري، إذا ما نزعت خاتم السلوك عن ضميري، فتآمر بين المسافة والزمن كفيل بأن يجعلانك أبرد من صقيع الشمال في صدور أقرب الناس إليك.


من أين أتتني وحدتي يا صغيرتي، وكيف جاءت ؟
محملة بالوحشة والضباب، وخطىً لا يؤنسني في سبيلي إلاها.
لا تُقام نصب العظماء إلا بأكفان قلوبهم المستكبرة.
لا يقوم الحب إلا غجري، بجنون المقدوني الأعظم، وأوتار لحن في حانة ببغداد.
صحائف الجنون أكفان الغربة فينا، توابيت القمر في ليالينا أزهار لوعتنا الدفينة.
أولئك الذين يحبون بعمق، يخسرون كل شيء.


ما الذي يفعله فينا القمر ؟
عشق مخمّرة، همومٌ معتّقة، ورشفة ليل لا تُرى فيه إلا أحزان الغرباء، وشوقي الطفولي إلى البكاء، على نعشٍ انتهش من روحي إرادتها في الحياة.


ما الذي يفعله فينا القمر ؟
منتشيًا باليأس يمضغ آمالي اليابسات.
لا وطن، روحي التي استوطنتكِ قربانٌ يمحو سخطي.
لا وطن، تاجك الرفيع مرصع بجماجم أحلامي، صولجانك الذهبي براءتي الكسيرة.
لا عاشت سماءٌ تغتالنا كل مرة، ولا عاش الوطن.