خيبة

قياسي
Hopeless-4fd5b14b0d0f2

كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الرهبان على صُلبان الألمِ، والشكِّ، واليأس.

وأنا أسير صليب مجتث يترك آثارًا لغيري، علّها يومًا تنهي مسيرة هروب !
كل الأرواح متسمّرة على خُشُب من ظلام، وكذبات تاريخ يتملّق الطغاة السافِحين.
لعنة، وألف قيد .. ماض يلعن المستقبل، ولحظات تهدم ساعات، والمسير الطويل يتوه بخطوة.
وكل مفترق طريق يُستَنطق جهالَة، وكل محاولة انفكاك تسخر منها الاستحالة.
والإعصار العبثي يلتهم كل أمل فينا، يلتهم خرائطنا ويلفظها وجعًا للمصير.
إلام مصيرنا المشؤوم هذا، الذي انعدمت فيه اختياراتنا وأُقسرنا على كل ما فيه؟
وكيف سنختار مسيرتنا قبل أن تحدد فيه خياراتنا؟
كيفما ستتبين خياراتنا ما لم يكن لنا باع من تجربة؟
كل الأزمنة والأمكنة مُشرَّعة أمام ناظريك، لكنك لا تختار، غير ممكن هو الاختيار.

كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الجثث ألمٌ، وشكٌ، ويأس.

لا تقف على أحزانك، فأرضك دوّارة، وأنت مرغم على كِلا الجري والدوران.
لا تقف، لا تبصر حالتك، لا تدرك ذاتك، وأغمض جفنيك عن سيطرة السياق والخناق.
لا تنظر إلى أمسِك، شقاؤك هموم يكتنزها غدُك.
ولا تنظر أين تسقط أقدامك، واخضع لعبودية أحكمتها عليك العصور .. عبودية الاندفاع !
نقطة نور، هو كل ما يلزم البشرية لتَحسِب الدنيا ضياء.
قطرة ماء، هي كل ما يلزمهم ليظنوا بأنهم مُشاة على البحار.

الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيِّف بالأمل، وكل ما بأيديهم رغبةٌ واندفاع.
ألف قطرة تحفرِ صخرة، لكنها لا تقتل البحر.
ألف خطوة تقطع ميلًا، لكنها لن تنتهي إلى القمر.

الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيف بالأمل.
ينشرون قصصًا رخيصة تنتهي بالتقاء عشيقين، وأغان تزف الزيف مجدًا رخوًا.
وقواف منظومات يحتَضِن شاعرها وصورته على النهر، تطقطق في نيرانها صرخات الساذجين.
طقطقة أمل بقبلة أبدية، أمنية حب لا ينتهي، ورغبة بالعناق الأبدي.
كل نيشان ثقيلٍ على صدر الحب يفتت أقدامه أكثر، فأكثر.
كذبات أخريات تشبعت بها أيامنا، كذبات أخريات تكررت لتحضُر وتكون.
كل ما يتعالى على الأزمنة، ينال عرشًا بالأفئدة. والكل ينتحر بعيدًا عن كل العصور.

كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حطام، تعلوها جثث ألمٍ، وشكٍ، ويأس.
كل من يكترث بالموتى لم يرفع كلمتَه على المِقصَلة، كل من يهاب الموت لم يقطع حبلَ المشنقة.
الإنس تفرقهم أيامهم، تجمعهم مصائب بعضهم، والهلع في أعينهم يسقيهِ خوفهم من أسطورة المصائب أنها مُعدِية.
لا تحزن، لا تبتسم، لا تيأس، واحم جنونك بسور عن أعينهم، واختبئ أنت وراءَ الأقنعة.
كل من تغنى بضياء القمر لم يحفل يومًا بظلمته المختَفِيَة.
لا تحزن، إذا ما رفضك الجميع، وأحبوا أقنعتك. يكفيك أنك لم تزل قبطانًا من خلف الأشرِعة.
لا تبتسم، إذا ما جفت أدمعك، واستحضنتها الأتربة. وشيّعها مسيرة كفاح ولَهَا أجنحة.
لا تيأس، سنطفئ نيرانهم بدمائنا، وستنبت من مُقلتينا في مدينتهم ألف زهرة.
ولا تهتم، ولا تكترث إذا ما خانتك القدود السمهرية، واتّقتك الخُطى الأكتوبرية.
أتمنى فقط أن تتغير السماء، وتتبدل الأرض، وأن تنطفئ النجوم.
يا مرنمًا بأطهر الصلوات،
يا شاعرًا،
ويا قلبًا من أغنيات،
يكفيك أن صدرك لم يزل فضاءً حيًا، ألحانك فيه طير سرمدية.

رأيان حول “خيبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *