قصة قصيرة ؛ وليد في بلاد المحن والفتن – ٢

(2)
مع مرور الأيام، كان من الطبيعي جدا أن تنال الفتن من وليد، فهو بشر ولا يزال ناشئا لم يشتد عوده بعد، ومعظم من يحيطون به مصابون بداء الكراهية والقلوب السوداء. يتظاهرون بالحب والتسامح لكسب ما يطيب من العلاوات والترقيات، والمدح والثناء، وما أن ينالوا مبتغاهم حتى يعضوا على كل يد ساعدتهم، وينسبون الفضل لأنفسهم. حتى من يُتأمل فيه الخير وقت حاجته وضعفه، يسقط في شر أفعاله حينما تبتسم له الأيام. القيم في تلك البلاد تشوهت، لا الغنى يحفظ الأخلاق ولا الفقر، لا العلم يحفظها ولا الجهل. إذًا تلوثت روح وليد، أصبح أحد أفراد ذلك المجتمع، ولست أدري إن كان هو المُلام أم مجتمعه، فالجميع هناك مصاب بنفس اللعنة!!؟ قضى وليد فترة لا بأس بها من شبابه متدينا متشدّدا ومنغلقا فكريا. ومن عجيب ما رآه في تلك الأيام، أن أولئك الذين يدّعون حب الفضيلة ويحرسونها ويدعون للتمسك بالقيم والأخلاق “المطاوعة” هم على رأس هرم النفاق، لن تغيب عن مخيلة وليد تلك الحادثة مع مدرسه “المطوع” الذي خان الثقة الملقاة على عاتقه من قبل آباء الطلبة، عندما اختلى بأحد الطلاب الوسيمين وتحرش به جنسيا. ليست تلك المرة الوحيدة، وليس وليد وحده هو من أصيب بالصدمة عقب معرفته بحقيقة رؤوس النفاق التي تحترف تغيير الأقنعة، فالحوادث المشابهة تحدث من وقت لآخر، مسكين أنت يا وليد.
بعدما أصيب وليد بصدمة الكذب والنفاق من قِبل الوعاظ والدعاة، أصبح يعادي كل مظاهر التديّن التي يأتون بها ويدعون إليها، آمن تماما بأنها مجرد مظاهر كاذبة. أصبح يصادمهم ويجادلهم بكل أوتي من قدرة، وصدق الامام محمد الغزالي حين قال: “إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره المتدينون؛ بغّضوا الله إلى خلقه بسوء طبعهم وسوء أخلاقهم”. كان وليد يتبع قلبه وعقله على الرغم من تحيزه وتطرفه ضدهم بعض الأحيان. كانوا يرددون على مسامعه “سابقا” حديث الرسول: (اختلاف أمتي رحمة) وما إن خالفهم حتى اتهموه بالفسق والضلال، وتطاول بعضهم حتى رموه بالكفر والزندقة. عن أي اختلاف وأي تسامح يتحدثون؟؟ أساؤوا للدين أيما إساءة. من حسن حظ وليد أن روحه لم تتدنس وتتشوه بأباطيلهم، وقرر أن يبدأ رحلة جديدة بمفرده باحثا عن الجادة الصحيحة.

كتب هذه التدوينة الصديق “عبدالرحيم بخاري” @raheem_22

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *