حماية المقدسات

استضافات

 كتب هذه التدوينة الصديق عبدالمحسن القصبي @ME7SEN

 

يكتب صديقي أحمد بادغيش عن دور الدولة في حماية المقدَّس ويخلص إلى نتيجةٍ هي أن؛

(ليس على الدولة أن تحمي مقدسات شعبها من رأي أو كلمة أو مخالفة) لأسباب أربع:

1- دور الدولة و عملها:

أنها أساسًا “آليةٌ” لحماية حقوق المواطنين من بعضهم، من جهة أن الأصل هو إتاحة الحرية للفرد قدر المستطاع حيث لا يصح منعه بحجة حماية المقدَّس، ومن الجهة الأخرى أنها موفِّرة لسبل نضج المعتقدات وصلابتها عن طريق السماح بالنقد المفتوح.

2- أن المقدَّس متعالي لا يمكن إهانته:

أن طبيعة المقدَّس لدى من يقدِّسه طبيعة مرتفعة حاكمةٌ غير محكومةٍ ملزمةٌ غير ملزَمَةٍ، فبذلك لا يمكن أصلاً الإنتقاص منها أو إلحاق الضرر بها.

3- أن سبب الإهانة مشكلة في أساس الإيمان:

أن الشعور بالإهانة مصدره عدم القدرة على الرد العقلي، وأن هذا الرد العقلي غير متوائم مع مبدأ الإيمان المعتمد على وثبة تصديقية أو “قفزة إيمانية”، والتي يقصد بها تجاوز مساحة الثبات العقليّة، المتمثلة بما يثبته أو ينفيه المختبر، إلى المنطقة التصديقية بالإيمان.

4- المآل السيء من تمكّن الخطاب العاطفي غير الناضج:

 أن نتيجة ممارسات الدولة المانعة لحرية النقد هي عرقلة نضج المعتقدات الإيمانية حيث تسمح لسيطرة الخطاب العاطفي غير العقلي معطيةً بذلك مكانة لمجيّشي الشعوب عاطفيًّا وبلا وعي، والذي يولد الدمار والمزيد من الأضرار.

وبعد هذا الإستعراض السريع، أجد نفسي أوافق أحمد في نتيجته مع مخالفتي له في ثلاثاً من أسبابها.

فعندما فحصت هذه الأسباب الأربع ظهرت أربعُ إعتراضاتٍ لمسلّماتِ ثلاثةٍ من هذه الأسباب:

– ما هو المقدس؟

يظهر لي أن المقصود في الحديث هو المقدّس المتباين عن العالم الموجود في مثيلات الأديان الإبراهيمية الثلاث، ولكنّي لا أظن أن المقدّس محصور على المتباين و المتعالي، فالإنسان -نظريًّا- قد يقدّس أيَ شيءٍ لأيِّ سببٍ كان، والقدسيّة هي إضفاء صفات الإحترام الروحي والحرام والكرامة والولاء والإلهام، فلا يُشتَرَط أن يكون المقدّس غير قابل للمساس به عند من يقدّسه ولو بسبيل الكلام فقط، فقد يقدّس المرء حالة شعوريّة -كحالة الفرح- مثلًا، فهكذا هي عُرضة ٌللكسر بأي إنتقاص، وطرح السؤال العقلي عن [قيمة هذا المقدّس إذا كان قابلًا للتَّضرر؟]، بعد مقدّمةِ (عدم عقلانيّةِ الإيمان)، طرح متعارض لا يصح.

– ما هو دور الدولة ؟

أرى تعارضًا بين الدوْران الموصوفان، فأحدها ضامن لأكبر قدرٍ من الحرية عن طريق تقليص تغوُّل الدولة بأي حجة كانت، والآخر مؤثِّرٌ على حرية الإعتقاد، ذات الطبيعة “الإيمانية” غير العقلية، بحجة المساعدة في إنضاجها بطريق السماح للإنتقاد أو الإستنتقاص، وهنا تعارض مع المفهوم المطروح للإيمان بأنه قطعيٌّ غيرُ قابِلٍ للتغير لا عن طريق العقلنة أو عن طريق الشعور والعاطفة.

– العقلي والمادي؟

أرى أن الطرح قد ساوى بين ماهو عقليٌّ وبين ماهو مادِّيٌ تحت معيار المختبر، وأرى في ذلك تضييق على المجال العقلي، فالمجال المادي لا يلتزم إلا بما هو محسوس في نطاق الشعور، أما العقلي فلا يلتزم إلا بمستحيلاته مع وجود فضاء للممكنات، تلك التي قد لا يقبلها المختبر.

وبعد ذلك أُضِيف:

*أنّي لا أرى المعيار المحسوس المادي هو المعيارُ الأوَّليُّ الأساسي، والذي تنطلق منه مقاربة الحقيقة وعمليات الإستدلال والبرهنة والتثبّت، بل أرى المعيار المنطقي العقلي أقرب وأوْلى.

*أنِّي أرى أن لكل فكر إنساني مسلّماتٌ إلتزاميّةٌ أخلاقيّةٌ، لا ملزمٌ منطقي لها. وفي حال إتفقنا على المسلَّمات الأولى للمنطق، أرى أن إيمانُنا يقف على قاعدة منطقية عقلية (غير مادية) صلبة ولا يقفز أكثر مما يقفز جميع البشر.

*أنّي أرى أن دور إنضاج الآراء بل والمعتقدات هو دور مجامع الدرس العلمي (ولا أقصد المادي) المنطقي لا دور الدولة.

*أرى أن حضور مؤسسات المجتمع المدني -بآليَّةٍ لا أعلمها حاليًّا- في عملية [إحترام الأدب والذوق العام] مهمَّة في رفع الحس الأخلاقي عند الشعب، والذي يتم برفع روح التسامح والتعاطف، ذلك للحول دون السب والشتم للمقدسات.

لماذا؟ لسبب أنها مؤذية لشعور المقدِّس لها حتى لو علم عند نفسه زيف الشتائم، ذلك كمثل من يؤذيه سب أمِّه على سبيل المثال مع علمه بزيف هذا السب. كل ذلك دون الغلو بالسماح للدولة بالتدخل.

إذًا، لماذا أوافقه؟

على مقدّمتي الخاصة، أنَّ الإيمان في الأساسِ يستند على قاعدة منطقية عقليَّةٍ صلبة. فالسماح بالنَّقد العقلي  للإيمان والمخالفة والإعتراض يُنضِجُه ويُطوِّره، كما طرح أحمد دون الإنتهاء إلى موقف التعارض لإختلاف مقدِّماتنا. وتغوُّلِ الدولَة وتدخلها لأي حجة كانت، لحماية المقدَّس أو لإنضاجه، يحول دون هذا التطوُّر والنضج، عن طريق التدخل المتحيِّز في عمليّة النقد. وهكذا ستؤول الأمور إلى سطوة العاطفة المعادية للتعقُّل، وأينما غاب عمل العقل حلَّت الخرافات والحروب والتخلُّف وبذلك مزيداً من الدمار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *