خاطرة مبعثرة (٠٧) ؛ عرِّف بنفسك

قياسي
قرأت مرة كلمة للدكتور فيليب ماكجرو يقول فيها بأنه يستغرب من تعريف الناس لأنفسهم بوظائفهم، ويعتقد بأن هذا يدل على عدم معرفتهم بأنفسهم. يقول بأن الكل يذكر وظيفته مباشرة تمامًا بعد ذكره لاسمه، وكأن وظائفنا المجتمعية أضحت جزءًا مهمًا لا يتجزأ من ذواتنا.
فعليًا ؛ فكرت كثيرًا في تعريفي لنفسي، وكلمة الدكتور ماكجرو السابق ذكرها جعلتني أتجنب تعريف نفسي بأنني طالب هندسة صناعية، وأحيانًا عدم ذكر ذلك. وبحكم أنني لا أعتقد بأنه من اللائق تعريفنا أنفسنا بما لم يكن لنا فيه اختيار، كالعرق واللون والحالة الاجتماعية، فقناعتي هذه زادت بأن جعلتني أتجنب أيضًا مزيدًا من تفاصيل حياتي الشخصية في تعريفي لنفسي.
أذكر بأنني في قراءتي لرواية خوزيه ساراماغو (قصة حصار لشبونة) بأنه قال بلسان الشخصية الرئيسية أنه يكره أن يناديه الناس باسمه الأخير، لأنه لا يعني له الكثير، وإنما اسمه الأول هو الذي يمثله وينطق بلسانه غالبًا. وأعتقد بأن فكرته أعجبتني لدرجة أصبحت مقلقة لتعريفي نفسي، فقد سلبت مني حتى اسمي الأخير الذي لا أعرف عنه وعن تفاصيله وتاريخه الكثير، ولم أهتم به كثيرًا أصلًا.
في أحد المرات كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء عن عجز الكلمة في وصفها للمشاعر والمعنى، فأجابني بأن كلامي يبدو غريبًا خاصة وأنه ناتج عن “كاتب”. في يومٍ آخر وجدت أحدهم يقدمني لآخر بأنني “مدوّن وكاتب مقالات”. وقبل أيامٍ استوقفني شخص عرفّني بأنني “أديب مستقبلي” وصديق آخر قام بتعريفي متهكمًا مرة بأنني “أديب يتنكر بشكل مفكر”. كل هذه التعريفات وإن بدت قريبة مني للحظة فإنها تبدو ظالمة أوقات كثيرة، لا لعدم اقتناعي بما أفعل، وإنما لأنني لا أعتقد بجواز تعريف الآخرين بحسب أعمالهم، فأعمالنا وأفكارنا هي مجرد لحظات تابعة لفترتها الزمنية قد لا تمثلنا في تاريخ آخر، وقد لا تبدو حتى منطقية بالشكل الذي فهمناه للآخرين الذين لم يعرفوا كامل التفاصيل، فضلًا عن أفعالنا اليومية وأفكارنا قد تختلف بشكل جذري في ليلة وضحاها.
لا أعرف فعليًا ماذا تبقى لنا لنعرّف أنفسنا، ولكن يبدو لي بأنني سأطالب الجميع بعدم تعريفهم لي، وعدم سؤالي عن تعريفي لنفسي. وحتى أصل إلى جواب مقنع أعتقد بأنني سأعرف نفسي كل لحظة بتعريف مختلف، تنقشه أفكاري ومزاجاتي اللحظية .. مالم أنسل من مطالبة تعريف نفسي للآخرين.

الرسومات الكرتونية

قياسي

قد يبدو هذا الموضوع لطيفًا بعض الشيء لدى كثير من الناس الذي يفضلون التعامل مع الرسومات الكرتونية بشيء من الطيبة، وقد يبدو كريهًا عند الذين يعتبرون الرسومات الكرتونية -خاصة منتوجات ديزني- مؤامرة على البلاد العربية والشرقية. في هذه التدوينة سأعرض فكرتي الخاصة عن الرسومات الكرتونية بشكل عام، ومنتوجات ديزني بشكل خاص، بحكم أنها الأكثر انتشارًا ونجاحًا في عالم الرسومات الكرتونية، كما أنها أكثر الرسومات احترافية. سأعتمد في تحليلي على عدد من المنتجات وهي ؛ الأسد الملك، الجميلة والوحش، سنووايت، الأميرة النائمة، سندريلا، بينوكيو، علاء الدين، حكاية لعبة، السيارات، ومولان. أعتقد بأن هذه أشهر أفلام ديزني بجوار “ميكي ماوس” وأصدقاؤه والذين سأفضل تجاهلهم اليوم.
المفصل الأساسي والفكرة المتكررة بشكل أكبر في الرسومات الكرتونية عند (ديزني) هي البحث عن الذات، أو تحقيق الذات بتعبير أكثر دقة، وهو أحد الأسئلة المهمة التي يتأخر طرحها على الطفل العربي، في “فيلم “الأسد الملك” يُطرح هذا السؤال في حوار الشخصية الرئيسية (سيمبا) مع خيال والدها ومع القرد (رفيكي)، وفي فيلم “مولان” يتكرر هذا الحوار طريقة أكثر وضوحًا، عندما تقف الشخصية الرئيسية (مولان) أمام خيالها على البركة معبرة بأغنية بأنها لا تستطيع أن تتخلى عن نفسها وعن أمانيها وأفكارها في مقابل القبول المجتمعي. وفي كل الرسومات الكرتونية نجد الفكرة ذاتها تتكرر بأكثر من طريقة.
نقطة أخرى تتكرر كثيرًا في الرسومات الكرتونية تكمن حول الأخلاق في التعامل مع الآخرين، الغيرة كخلق سيء كانت محورًا للعديد من الرسومات الكرتونية، “حكاية لعبة” مثلًا عندما يغار راعي البقر (وودي) من اللعبة الجديدة الممثلة في رائد الفضاء (بز يطير). أو في “السيارات” عندما يتعامل (برق بنزين) مع الآخرين بشيء من الغرور والاحتقار لما يرى في نفسه من موهبة، حتى يتعلم بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج للتدريب المستمر، والتعامل مع الخصم باحترام. حتى (سيمبا) في “الأسد الملك” كان مغرورًا بشكل مزعج عندما كان صغيرًا، وذلك ما كلفه الكثير وجعله يتجاهل ذاته. وفي “الجميلة والوحش” وفي “الأميرة والضفدع” كان السبب في معاقبة الأمير وتحويله إلى وحش أو إلى ضفدع هو غروره واحتقاره للآخرين.
دائمًا ما يكون في القصص هدفًا تريد الشخصية الرئيسية، وغالبًا ما تجدها تبتعد عنه كثيرًا بطيشها أو بمؤامرة من الأشرار، ومن ثم تتدخل قوى سحرية طيبة لمساعدته بعدما يصيبه اليأس. في الحقيقة ؛ السحر واللامعقول يتكرر كثيرًا في الرسومات الكرتونية، سواءً أكانت قوى سحرية طيبة أو شريرة متمثلة في السحر الأسود. بشيء من الأمل والإيمان ترسل هذه الرسومات الكرتونية لأطفال رسالة بعدم الاستسلام والسعي لتحقيق الأهداف مهما كانت، وبأن ما لا نتخيله أو يخطر على بالنا قد يساعدنا في الوصول إلى أهدافنا. الساحرة التي ساعدت (سندريلا) في الوصول إلى الأمير قبل منتصف الليل، والأخرى التي جعلت (بينوكيو) اللعبة الخشبية تتحرك وتتكلم، التنين الذي ساعد (مولان) لحماية  الصين وتشريف اسم عائلتها، والكثير من القصص. وعلى الصعيد الآخر فإن السحر الأسود يتكرر بكثرة أيضًا في الرسومات الكرتونية ؛ في التفاحة المسمومة عند (سنووايت)، أو الإبرة المخدرة عند (الأميرة النائمة)، وغيرها الكثير. وفي حضور السحر الأسود والقوى الشريرة العظمى، دائمًا ما يكون الحب هو السبيل الأول للخلاص والتغلب على المصاعب، القبلة التي تنفي السحر الأسود، أو تعاون غير مفهوم بين الشخصيات للتغلب على الشرير الذي يصعب التغلب عليه ..إلخ. وأحد أهم المبادئ التي تطرحها الرسومات الكرتونية أيضًا أن كل شخص مسؤول عن تصرفاته، وأن عليه تحمل عاقبة اختياراته، (بينوكيو) الذي يتألم كثيرًا في السيرك، أو (وودي) و(بز يطير) وهما يواجهان خطورة الغربة عن منزل (آندي)، (مولان) وهي تواجه خطورة تشويه سمعة العائلة .. إلخ.
الجانب المفضل بالنسبة لي في كل الرسومات الكرتونية يكمن في فكرة أن الشخصيات الرئيسية لا تتصرف بطريقة غير مقبولة حتى لو تصرف البقية بأكثر الطرق وحشية وإجرامًا. وقد تخسر الشخصية الأولى وقد يربح الأشرار، إلا أن الخير دائمًا ما ينتصر نهاية، ويكسب الحرب. كثيرًا ما يكون القتل غائبًا في القصص، خاصة من جانب الشخصيات التي تمثل الطيبة. فالشخصيات هذه تبدو عادة مثالية بعض الشيء في تعاملها مع أعدائها، فهي تسامح وتصفح لأبعد درجة. بل وكثيرًا ما تمد يدها إلى الشخصيات الشريرة وتقدم لها الفرصة الجديدة للحياة والطريق الجديد. فقد تموت الشخصية الشريرة بأن تسقط من على جُرف عالٍ، كما حصل في قصة “سنووايت” و”الجميلة والوحش” و”الأسد الملك” بجزئيه. وقد يقوم الشخصية الشريرة إلى وحش مجرم تنتفي عنه كل صفات الرحمة أو الجمال، وفي هذه الحالة قد يتم قتله كما حصل في قصة “الأميرة النائمة” التي تحولت فيها الشخصية الشريرة إلى تنين أسود مرعب يقضي عليها ذاك الأمير الشاب. كل ذلك حتى لا يتقبل الطفل فكرة القتل أو سفك الدماء مهما كان.
لنتكلم عن “علاء الدين” وقصته لمزيد من التوضيح ؛ (علاء الدين) هو شاب فقير يسرق كل ما لا يمكنه الحصول عليه بطريقة شرعية، ويربطه القدر مع الأميرة (ياسمين) في لقاء غريب لا تجره إلا الصدفة، الأميرة التي بورها كانت ترفض كل من يتقدم إليها طالبًا يدها، لأن الجميع كانوا يستعرضون أموالهم وجاههم، بينما هي ترفض الارتباط بشخص لا تحبه لشخصه. (جعفر) الشخصية الشريرة في القصة كان مستشارًا للملك، الذي قرر الفوز بيد الأميرة (ياسمين) عن طريق امتلاك القوة المتمثلة في قوة جني المصباح. في النهاية ترتبط الأميرة (ياسمين) بالفقير (علاء الدين) الذي تحبه، يتم القضاء على (جعفر) عن طريق تحويله إلى جني يتم حبسه في المصباح. فضلًا عن بعد القصص الجانبية، كتخلي (علاء الدين) عن أمنيته الأخيرة في سبيل منح الجني الأزرق حريته، والوفاء بوعده الذي أعطاه للجني قديمًا. فحقق (علاء الدين) نفسه بإيجاده الحب الذي يريده، ويعطيه شخصيته الطيبة التي تساعد الآخرين، وانتهت القصة على هذه الخاتمة.
لن أقول بأن هذه الرسومات الكرتونية خير كلها، وإنما سأبدأ نقدي بمقولة (مالك بن نبي) التي يصف فيها تأثير الثقافة على حكم الإنسان على الحياة. يضرب مالك بن نبي مثلًا بمسرحية رومنسية يقتل الحبيب فيها نفسها لأجل محبوبه، يقول (مالك بن نبي) بأن الإنسان الغربي يرى مشهدًا كهذا بمنظور جمالي بحت، فيبكي له متأثرًا، مصفقًا لمثل هذه التضحية معظمًا. بينما ينظر العربي إلى المشهد السابق بمنظور أخلاقي، فتراه يشمئز من الانتحار، ويراه مؤسفًا وغياب للأخلاق وغير مفهوم.
كل هذه الرسومات الكرتونية التي تحدثت عنها سابقًا مكتوبة بقلم غربي خاضع للعولمة، من الطبيعي أن لا تلائم أولئك الذين لا يتقبلون العولمة ولا الثقافة الغربية التي يتم تعميمها. وهذا هو الجانب السلبي فيها كما أعتقد، لن أقول بأنه متعمد، بل سأقول بأن الطفل الغربي هو المقصود بمثل هذه القصص. تختلف الرسومات الكرتونية الشرقية -مثلًا- عن طريقة العرض أو الأفكار الرئيسية والمحورية بشكل كبير، وحتى في طريقة الرسم والقصة والحوارات المتضمنة، لأنهم يصنعون رسومات كرتونية موجهة إلى أطفالهم. ويبقى بذلك للأمم التي لا تهتم بأطفالها مهمة رشق الآخرين بالاتهام، والشعور الدائم بالمؤامرة وشيء من الكبر والزيف المتفاخر.

التجربة البشرية

قياسي
أعتقد بأن أحد الأفكار الأساسية التي تجتمع في الأمم المتقادمة أو المتطورة هي إيمانها بالتجربة الإنسانية، موقفها من الخطأ والضياع وبأنه أساس من التجربة والطريق إلى الكمال، بأن الخطأ محتمل ويجب تقبله بالتصويب أكثر من السخرية أو العجز.
وفي الجهة الأخرى ؛ فالخطأ عند الأمم غير المتقدمة عادة ما يكون أمرًا يجب اجتنابه، مما يسبب بالطبع خوفًا من كل جديد. وفي النهاية تجد بأنها أمة تسير على خطى سابقة أثبتت صحتها في زمن من الأمان، وليس بالضرورة أنها صحيحة بالمطلق. وأحيانًا تكون هذه العقلية سببًا لتجنب القيام بأي أمرٍ، وكما يقول أندرو ماثيوس : لن تخطئ أبدًا إن لم تفعل شيئًآ.
تدور أفكار الأمم المتخلفة -إن صح التعبير- في النهضة على التمسك بنفس الأفكار القديمة، وعادة ما تكون مصحوبة بأمل تدخل إلهي أو سماوي غير مألوف. تنتظر قدوم مُخَلِّص أو محررٍ أو أسطورة تشكل بطاقة الخروج من الألم والتخلف. والمضحك بأن كثيرًا منها ترسم خطة للخروج وتفاصيل ليوم الخلاص بشكل عجيب جدًا يجعله أشبه بالرواية، التي تقوم هي بدورها بالانتظار فقط. وبغض النظر عن إيجابيات وسلبيات هذا اليوم الذي ننتظره إذا ما حاكمناه فإن طريقة إيماننا به أشبه بالشلل الذي يصيب الأجساد، يصاحبه عادة رفض لأي خطوة يُعتقد بأنها قد تُبعد عن المصير المنشود، ويُحرم النقاش عن تفاصيل وفراغات لم تملأ أو تتعارض، بل ويصاحبه استعداد تام لتوعد كل مخالف بسوء الخاتمة والمصير.
غريب جدًا في عالمنا العربي -على وجه التحديد- احتقارهم للتجربة الإنسانية أو البشرية ؛ أتذكر مثلًا أولئك الذين لا زالوا يعايرون بعض البلاد التي لم توفر الحماية لمواطنيها في ساعات متأخرة من الليل، وحتى بعد انتهاء هذه التجربة في تلك البلاد فإنها لا تزال محط سخرية واستهتار منها، بالرغم من أنها قد تكون خلقت عادة شعبية لديهم يطمح إليها الكثير منا، ألا وهي النوم بالليل والعمل بالنهار.
بشكل متفائل أقرب ما يكون للسذاجة، يعتقد الشعب العربي بأن المستحيل كلمة غير حقيقية، لكنهم جعلوا مقابلها السخافة، فاعتقدوا بأن كل شيءٍ ممكن إنجازه دون أي جهد يُذكر، وكل ما ليس بأيدينا، محتوم علي أن يكون بها يومًا.

اقتباسات من رائعة #ديستوفيسكي ؛ الجريمة والعقاب

قياسي

 

“ما أسعد الذين لا يملكون شيئًا يستحق أن يوصدوا عليه الأبواب بالأقفال”


“لا يكفي أن يكون المرء ذكيًا حتى يتصرف بذكاء.”


“إن هذه الاندفاعات المتطرفة تدل على أن أصحابها أناس مؤمنون صادقون، وتدل أيضًا أن الظروف ليست هي الظروف التي يجب توافرها.”


“إنني أحب معاشرة الشباب. من يعرفهم يتعلم كثيرًا من الأشياء الجديدة.”


“إننا نستطيع عند اللزوم أن نخنق حتى إحساسنا الأخلاقي ! إننا نستطيع عند اللزوم أن نحمل إلى السوق كل شيء فنبيعه فيها : الحرية، الطمأنينة، وحتى راحة الضمير !”


“يتفق للمرء أحيانًا أن يلقى أناسًا لا يعرفهم البتة فإذا هو يهتم بهم منذ أول نظرة قبل أن يبادلهم كلمة واحدة.”


“يُخيل إلي أن الرجال العظماء حقًا لا بد أن يشعروا على هذه الأرض بحزن عظيم.”


“ألست تمحو نصف جريمتك حين تقبل الألم ؟”


“ولكن المرء، عندما تعرّفه إلى شخص من الأشخاص، يكون طائشًا بعض الطيش، غبيًا بعض الغباوة، كما تعلم .. فهو يرى في ضوء .. شخصي، ولا يراها كما هي.”


“لكن الذكاء والغيرة شيئان اثنان لا يتعارضان، ومن هنا يأتي البلاء، ثم إنك من أجل أن تحكم على أحد الناس حكمًا حياديًا، يحسن بك أن تتخلص من بعض الآراء السابقة والعادات اليومية إزاء البشر والأشياء التي تحيط بك.”


“يقول مثل إنجليزي : مئة أرنب لا تصنع حصانًا، ومئة شبهة لا تصنع برهانًا.”


“إن الفتنة التي تشع من امرأة أخاذة فاضلة مثقفة يمكن أن تجمل حياتك، وأن تجذب إليك مودة الناس، وأن تحيطك بهالة من المهابة والسحر.”


“ما العقل إلا خادم الأهواء.”


“لئن لم يكن في هذا العالم شيء أصعب من الصدق والصراحة، فلا شيء في العالم أسهل من التملق. فالصدق إذا اندس فيه عشر معشار من الكذب سرعان ما يخالطه نشاز فتقع فضيحة. أما التملق فإنه إذا كان كذبًا من أوله إلى آخره، يظل سارًا وممتعًا، فالشخص يصغي إليه شاعرًا بلذة إن لم تكن لذة سامية فهي لذة على كل حال.”


“رب فعل يقوم به صاحبه على نحو رائع، ببراعة فائقة وحذق مدهش، ثم يبقى الباعث عليه والدافع إلىه مَموهًا، لارتباطه بمشاعر مرضية شتى”


“أيها السيد الكريم، ليس الفقر رذيلة، ولا الإدمان على السكر فضيلة، أنا أعرف ذلك أيضًا. ولكن البؤس رذيلة أيها السيد الكريم، البؤس رذيلة. يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظًا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك يومًا، وما من أحد يستطيعه قط. إذا كنت في البؤس فإنك لا تُطرد من مجتمع البشر ضربًا بالعصا، بل تُطرد منه ضربًا بالمكنسة، بغية إذلالك مزيدًا من الإذلال. والناس على حق في ذلك، لأنك في البؤس أول من يريد هذا الذل لنفسه بنفسه. وهذا سبب إدمانك على الشرب.”

هاي فايڤ

قياسي

كتب هذه التدوينة الصديق مصلح سهلي @MoslehSa 

القيود والقيود

حجم الدهشة يزداد بحجم معرفتنا بالقيود التي تحاصرنا .. زمان ومكان ولادتنا فقط يحددان جل معتقداتنا ..وتحت سلطتي الزمان والمكان نحن محاصرون بما تصل إليه حواسنا من معرفة .. أسرى لتلك الرغبة التي تركن إلى الراحة بدلا من البحث والبحث.. وإن بحثنا فنحن أسرى لما نُشر لنا ..

استبداد التراث الإنساني

بعضنا يكتشف لاحقا في حياته أنه كان أسيرا فيقرر أن يثور .. كان مثلا يظن نفسه أسيرا لتراث السلف فثار ليجد نفسه أسيرا لفلاسفة ما قبل الميلاد وفلاسفة القرون الخمسة الأخيرة من الألفية الثانية..

مهما ثرنا فنحن ربما أسرى حتى لتلك الأفكار التي نحاربها!

السن توب و السن كولا

في سياق الثورات هذه تكثر الأسئلة .. ويكثر النقاش .. حول المعتقدات والوجود والبحث عن الذات .. ينسى الثائر -كما سمى نفسه- حجم القيود التي تنبه لها ..فيزن حقيقة ما وصل إليه أكثر مما يجب .. ينسى أن المعتقدات الشخصية هي مجرد تفضيل لا يمكن للشخص ذاته شرحه أو التعبير عنه .. كثير من إجاباتنا لا معنى لأن نقنع أحدا بها .

في الوضع الطبيعي يطلب شخص ما الببسي على الطعام ويطلب زميله سفن أب .. يمر الأمر بسلام عادة .. لا معنى لأن تسأل شخص “لماذا تشرب هذا ولا تشرب ذاك” ..الثائرون ربما يحولون الأمر لاختبار قناعات !

ربما تغدو الحياة أجمل لو اعتبرنا أن أغلب حواراتنا حول هذه القناعات لا تعدو عن كونها قناعة شخص ما بشرب السن توب .. في زمن آخر أو مكان آخر ربما ستجده يفضل السن كولا..أو لا فرق لديه !

الآن وهنا

ربما أفهم كيف يتراكم الوعي في العلوم التطبيقية علها تسهم في جعل حياة الإنسان أسهل وأجمل .. ولكن يصعب علي الآن أن أفهم كيف يتراكم الوعي في العلوم الإنسانية .. التاريخ والفلسلفة وعلوم الاجتماع الخ .. تراكمها حتى كأدوات لقراءة الواقع واستقراء المستقبل يبدو عبثا .. لولا أنها استعبدتنا .. هم أنفسهم يعرفون أنه باختلاف متغير واحد كالزمن كفيل بجعل النموذج –أي نموذج- غير قابل للقياس .. يعرفون أن التاريخ لم يكن ليعيد نفسه لولا أننا أعدناه لأننا أسرى لـ “التاريخ يعيد نفسه” !

ربما تغدو الحياة أجمل لو عشنا هنا أكثر من عيشنا هناك .. لوهلة تظن أننا نعرف كيف عاش الإنسان الأوروبي أو الأمريكي طوال تاريخه وماذا أردا أكثر مما نعرفه عنا وعن (ماذا نريد حقيقة ) ! .. نعيش إلى الآن تحت وطأة نظريات اجتماعية وسياسية قبل قرون مضت. . ألا يكفينا أن نفكر في حدود ما لم ولن نفتك منهما أبدا .. الزمان والمكان؟ الآن وهنا؟

تجسيد الفكرة

قياسي

مالك بن نبي : “أما في الماضي فقد كانت البطولات تتمثل في جرأة فرد، لا في ثورة شعب، وفي قوة رجل، لا في تكاثف مجتمع، فلم تكن حوادثها تاريخًا، بل قصصًا ممتعة، ولم تكن صيحاتها صيحات شعب بأكمله”.
أحد الأفكار التي أعتقد بأننا نؤمن بها، حتى وإن كانت بشكل لا ندركه ولا نعيه، هي فكرة البطل الواحد.
تميل فكرة البطل الواحد على تجسيد الفضيلة بشكل كامل على شكل شخص واحد، وتحميله فوق طاقته واستيعابه البشري المذبذب بين الصواب والخطأ. تجد ميلًا عامًا لأن يكون يحلل العالم الفيزيائي الوضع السياسي، وأن يتكلم رجل الدين في الاقتصاد والفلسفة والمشاكل الدولية، وأن يكتب طبيب الأسنان عن التاريخ، وغيرها من التداخلات في المجالات والاهتمامات، وأحيانًا تكون هذه التداخلات بسبب مطالبات شعبية، أو بسبب هذه الفكرة الدفينة في الآمل بمنصب البطل ذاك. الفكرة موجودة في الجميع وبشكل كبير.
أعتقد بأن هذه الفكرة موجودة في الكثير إذا لم أقل عند الجميع، ففكرة البطل هي انعكاس لطلب التبسيط والترميز الذي يُطالب به الجميع. وبشكل غريب ؛ فنحن نرفض بأن نجعل الثورة المصرية مثلًا ثورة شعب، بل نبحث عن شخص يعكسها ويكون لها رمزًا، بداية من وائل غنيم، نهاية بالرئيس الأخير محمد مرسي والذي يُسوّق له وكأن سقوطه سقوط للثورة. والكثير من الحركات الكبرى والتغييرات الضخمة التي تُحمل وكأنها لم تكن حرمة شعب كامل، أو فكرة ضخمة تشربها الكثير.
المزعج في الموضوع، أن يجد المرء في نفسه الجرأة والثقة التي تخوله لأن يتكلم وكأنه رمز، أو أن يتنقل بين التخصصات المواضيع وبكل جرأة وكبرياء.
المشكلة الأساسية بالنسبة لي تكمن في انتقال المعنى من الفكرة إلى الرمز، كأن ينتقل الدين من المفاهيم الأساسية إلى رجال الدين، أو تنتقل الفضيلة من مبادئها وأفكارها الأساسية إلى أن تتحول إلى الرمز الذي يتحول تشريعًا ومصدرًا للخير والشر فيما بعد. فيتحول من مجرد بشري إلى بشري مقدس، أخطاؤه يتجاوز عنها، وأفكاره مسلمات مهما كانت وكيفما جاءت.
وأعتقد بأن هذا ما نراه اليوم منتشرًا في خطابات ونداءات الكثير، أن يتكلم باسم الله والفضيلة، وأن يرمي البقية بالشر وكل الخصال الخبيثة. كتجسيد العالم للشر في الإرهاب المتمثل في تنظيم القاعدة، وتجسيد الحرب في الطرف الآخر في الحرب العالمية الثانية، الشيء الذي جعل القنبلة الذرية تقوم باسم إنهاء الحرب ومن واجب إنساني، باختصار ؛ كانت الجنود تعتقد بأن انتصارها سيفضي إلى نهاية مفهوم الحرب من المستقبل. وبقدر استيائنا من استخدام الآخرين لهذه الفكرة ضدنا، بقدر ما نستخدمها ضد غيرنا.
فضلًا عن التشويه الذي يحصل لكثير من الأفكار لمجرد أن ناشرها أخطأ بأحد الأيام، أو لأن فيه خصلة غير حميدة. وكثير ما خسرنا أفكارًا قوية وجريئة لمجرد أننا لا نتقف مع صاحبها في كثير من المواضيع.
سأختم تدوينتي بقولة حفظتها قديمًا عن الدكتور يوسف القرضاوي عندما يقول : فلنعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال.

حماية المقدسات

قياسي

 كتب هذه التدوينة الصديق عبدالمحسن القصبي @ME7SEN

 

يكتب صديقي أحمد بادغيش عن دور الدولة في حماية المقدَّس ويخلص إلى نتيجةٍ هي أن؛

(ليس على الدولة أن تحمي مقدسات شعبها من رأي أو كلمة أو مخالفة) لأسباب أربع:

1- دور الدولة و عملها:

أنها أساسًا “آليةٌ” لحماية حقوق المواطنين من بعضهم، من جهة أن الأصل هو إتاحة الحرية للفرد قدر المستطاع حيث لا يصح منعه بحجة حماية المقدَّس، ومن الجهة الأخرى أنها موفِّرة لسبل نضج المعتقدات وصلابتها عن طريق السماح بالنقد المفتوح.

2- أن المقدَّس متعالي لا يمكن إهانته:

أن طبيعة المقدَّس لدى من يقدِّسه طبيعة مرتفعة حاكمةٌ غير محكومةٍ ملزمةٌ غير ملزَمَةٍ، فبذلك لا يمكن أصلاً الإنتقاص منها أو إلحاق الضرر بها.

3- أن سبب الإهانة مشكلة في أساس الإيمان:

أن الشعور بالإهانة مصدره عدم القدرة على الرد العقلي، وأن هذا الرد العقلي غير متوائم مع مبدأ الإيمان المعتمد على وثبة تصديقية أو “قفزة إيمانية”، والتي يقصد بها تجاوز مساحة الثبات العقليّة، المتمثلة بما يثبته أو ينفيه المختبر، إلى المنطقة التصديقية بالإيمان.

4- المآل السيء من تمكّن الخطاب العاطفي غير الناضج:

 أن نتيجة ممارسات الدولة المانعة لحرية النقد هي عرقلة نضج المعتقدات الإيمانية حيث تسمح لسيطرة الخطاب العاطفي غير العقلي معطيةً بذلك مكانة لمجيّشي الشعوب عاطفيًّا وبلا وعي، والذي يولد الدمار والمزيد من الأضرار.

وبعد هذا الإستعراض السريع، أجد نفسي أوافق أحمد في نتيجته مع مخالفتي له في ثلاثاً من أسبابها.

فعندما فحصت هذه الأسباب الأربع ظهرت أربعُ إعتراضاتٍ لمسلّماتِ ثلاثةٍ من هذه الأسباب:

– ما هو المقدس؟

يظهر لي أن المقصود في الحديث هو المقدّس المتباين عن العالم الموجود في مثيلات الأديان الإبراهيمية الثلاث، ولكنّي لا أظن أن المقدّس محصور على المتباين و المتعالي، فالإنسان -نظريًّا- قد يقدّس أيَ شيءٍ لأيِّ سببٍ كان، والقدسيّة هي إضفاء صفات الإحترام الروحي والحرام والكرامة والولاء والإلهام، فلا يُشتَرَط أن يكون المقدّس غير قابل للمساس به عند من يقدّسه ولو بسبيل الكلام فقط، فقد يقدّس المرء حالة شعوريّة -كحالة الفرح- مثلًا، فهكذا هي عُرضة ٌللكسر بأي إنتقاص، وطرح السؤال العقلي عن [قيمة هذا المقدّس إذا كان قابلًا للتَّضرر؟]، بعد مقدّمةِ (عدم عقلانيّةِ الإيمان)، طرح متعارض لا يصح.

– ما هو دور الدولة ؟

أرى تعارضًا بين الدوْران الموصوفان، فأحدها ضامن لأكبر قدرٍ من الحرية عن طريق تقليص تغوُّل الدولة بأي حجة كانت، والآخر مؤثِّرٌ على حرية الإعتقاد، ذات الطبيعة “الإيمانية” غير العقلية، بحجة المساعدة في إنضاجها بطريق السماح للإنتقاد أو الإستنتقاص، وهنا تعارض مع المفهوم المطروح للإيمان بأنه قطعيٌّ غيرُ قابِلٍ للتغير لا عن طريق العقلنة أو عن طريق الشعور والعاطفة.

– العقلي والمادي؟

أرى أن الطرح قد ساوى بين ماهو عقليٌّ وبين ماهو مادِّيٌ تحت معيار المختبر، وأرى في ذلك تضييق على المجال العقلي، فالمجال المادي لا يلتزم إلا بما هو محسوس في نطاق الشعور، أما العقلي فلا يلتزم إلا بمستحيلاته مع وجود فضاء للممكنات، تلك التي قد لا يقبلها المختبر.

وبعد ذلك أُضِيف:

*أنّي لا أرى المعيار المحسوس المادي هو المعيارُ الأوَّليُّ الأساسي، والذي تنطلق منه مقاربة الحقيقة وعمليات الإستدلال والبرهنة والتثبّت، بل أرى المعيار المنطقي العقلي أقرب وأوْلى.

*أنِّي أرى أن لكل فكر إنساني مسلّماتٌ إلتزاميّةٌ أخلاقيّةٌ، لا ملزمٌ منطقي لها. وفي حال إتفقنا على المسلَّمات الأولى للمنطق، أرى أن إيمانُنا يقف على قاعدة منطقية عقلية (غير مادية) صلبة ولا يقفز أكثر مما يقفز جميع البشر.

*أنّي أرى أن دور إنضاج الآراء بل والمعتقدات هو دور مجامع الدرس العلمي (ولا أقصد المادي) المنطقي لا دور الدولة.

*أرى أن حضور مؤسسات المجتمع المدني -بآليَّةٍ لا أعلمها حاليًّا- في عملية [إحترام الأدب والذوق العام] مهمَّة في رفع الحس الأخلاقي عند الشعب، والذي يتم برفع روح التسامح والتعاطف، ذلك للحول دون السب والشتم للمقدسات.

لماذا؟ لسبب أنها مؤذية لشعور المقدِّس لها حتى لو علم عند نفسه زيف الشتائم، ذلك كمثل من يؤذيه سب أمِّه على سبيل المثال مع علمه بزيف هذا السب. كل ذلك دون الغلو بالسماح للدولة بالتدخل.

إذًا، لماذا أوافقه؟

على مقدّمتي الخاصة، أنَّ الإيمان في الأساسِ يستند على قاعدة منطقية عقليَّةٍ صلبة. فالسماح بالنَّقد العقلي  للإيمان والمخالفة والإعتراض يُنضِجُه ويُطوِّره، كما طرح أحمد دون الإنتهاء إلى موقف التعارض لإختلاف مقدِّماتنا. وتغوُّلِ الدولَة وتدخلها لأي حجة كانت، لحماية المقدَّس أو لإنضاجه، يحول دون هذا التطوُّر والنضج، عن طريق التدخل المتحيِّز في عمليّة النقد. وهكذا ستؤول الأمور إلى سطوة العاطفة المعادية للتعقُّل، وأينما غاب عمل العقل حلَّت الخرافات والحروب والتخلُّف وبذلك مزيداً من الدمار.

الدولة، المقدسات، والشعب

قياسي

إلى أي حد يجب على الدولة حماية مقدسات الشعب ؟ وهل يجب على الدولة حماية المقدسات بداية ونهاية أم لا ؟ كانت هذه الأسئلة وغيرها التي تحدد علاقة الدولة بالشعب ومقدساته محل نقاشٍ طويل بين عدد من المثقفين وبعض الأصدقاء .. وأنا هنا أقوم بتسجيل إجابتي الشخصية التي أعتقد بها في الوقت الحالي !
ولنبدأ من قبل البداية ؛ من حيث السؤال عن هدف وفكرة الدولة. يقول المفكر الفرنسي جان جاك روسو في كتابه “العقد الاجتماعي” بأن الناس في زمن ما كانوا يعيشون أحرارًا وبكامل إرادتهم الشخصية، وبدون أي اعتبار لرغبات الناس الآخرين، مما سبب شيئًا من الظلم والاستضعاف لكل من لا يقدر على حماية ممتلكاته، أو حتى حماية نفسه. فيرى بذلك بأن استحداث مفهوم الدولة قام أولًا وأخيرًا لحماية الشعب من بعضه البعض، ومن غيرهم أيضًا، لحماية ممتلكاتهم ولحمايتهم هم أنفسهم. ويضيف بأن الناس اختارت قيام الدولة، اختارت أن تتنازل عن شيء من حريتها الشخصية التي تحتمها مخالطة الآخرين في سبيل تحقيق العدل والحماية.
وبذلك يقول المفكر العربي مالك بن نبي : “الحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية”*، فهي آلة تقوم على حماية الشعب ككل، وتحقيق مصالحهم الشخصية في إطار مصلحة الكل. إذًا فالدولة عبارة عن آلة اجتماعية، طورتها المعرفة والتجربة البشرية، في محاولة لحفظ كامل الحقوق للمواطنين.
انطلاقًا من نقطة أخرى، سأجدني أتساءل ؛ هل يمكن فعليًا الإساءة إلى المقدسات ؟ هل يمكن لأي أحد الاساءة إلى الذات الإلهية مثلًا ؟ أعتقد بأن هذا مستحيل فعليًا، فإذا كان المؤمن يعتقد بالعظمة اللامتناهية لمقدسه، فكيف يمكن لكلمات أو أفعال محدودة أن تؤثر على هذا اللامتناهي المطلق ؟ أقصد بأن المقدسات لا يمكن المساس بها أصلًا كما يقتضي التقديس، وغضبنا لها ليس إلا غضب لأنفسنا متلبسًا في زي الدين. “المقدس أكبر من أن يُساء إليه”، هذه قناعة يجب أن يؤمن بها كل مؤمن، وهي أساس من تعظيمهم للمقدس.
نحن نشعر بالإهانة فعليًا عند كل أمر لا نستطيع إثباته، كل أمر فيه قفزة إيمانية يُغيّب فيها العقل، والإثبات المنطقي الكامل. لو أنني نعت “بيل غيتس” مثلًا بأنه فقير، فلن تتلقى كلمتي سوى السخرية، وأرصدته وأملاكه كفيلة بتكذيبي والاستهزاء بادعائي. بينما إذا ما نعت أحدهم في شأن لا يستطيع إثباته -لعدم القدرة على القياس عادة- فسيشعر هنا بالإهانة، كأن تنعت أحدهم بالغباء أو عدم القدرة. وهذا فعليًا هو ما يُشعر الناس بالإهانة، كل ما لا يمكن إثباته بالتجربة، أو ما لم يثبته “المختبر” أو “المعمل” كما يُقال، ولا يمكن إثباته بتسلسل منطقي بسيط يتقبله الجميع. وأعتقد بأنه هنا يأتي دور الإيمان، الإيمان الذي يخبرك بأنه لا يمكن الجور على معتقداتك، وبأن هذه المعتقدات والآراء صحيحة بشكل قاطع. ولهذا فأنا أعتقد بأن التفاعلات السلبية مع أي كلمة جارحة أو سيئة تجاه معتقداتنا تدل بشكل أول وأخير بأن هذا الإيمان الذي ندعيه لا يخرج عن كونه مجرد كلمات نتشدق بها ونتفاخر بها على الأمم.
ليس على الدولة أن تحمي مقدسات شعبها من رأي أو كلمة مخالفة، وحتى لو كانت غير موضوعية أو سلبية، إنما عليها أن تتيح الجو لكل الآراء، مما يجعل من الآراء الدينية المطروحة أشد تماسكًا وأقبل للتصديق والإيمان بها. أعتقد بأن واجب الدولة تجاه شعبها الذي يشعر بالإهانة عند المس بمقدساته أن تهيء لكل الآراء كافة السبل والمساعدات في سبيل النضج. فالفكرة لن تنضج بشكل كامل مالم تشعر بالتهديد، عندما تخاف بأن تغلبها فكرة أخرى من حيث المتانة والمنطق. ولهذا يجب على الدولة أن تكفل حق التعبير لكل فكرة ورأي، أعتقد بأن هذه هي الخدمة الوحيدة التي تقدمها الدولة لشعبها ومقدساته.
أما مسايرة الشعوب في طلباتها وغضبها العاطفي تجاه كل المسيئين لا يزيد الأمور إلا خبالًا، ويهيء لأولئك المتكلمين بعاطفة دون عقل مكانة ومنصبًا لا أراهم يستحقونه، وأعتقد بأنه يضرهم ويضر معتقداتهم، ويجر الشعوب إلى مزيد من الدمار لا أكثر. حتى يتحول مقدسهم في النهاية إلى مجرد ثقافة تتناقلها الأجيال، دون الوعي بها، وبرفض تام لأي نقاش فيها أو حتى تصويبها عند الخطأ. وسيدخل في دائرة التقديس ما ليس منها، مما يمنح لأولئك الدخلاء سلطة متطلقة وبيئة أكبر للإفساد والاستبداد.


(*) مقولة مالك بن نبي كاملة : “الحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية، تتغير تبعًا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه. فإذا كان الوسط نظيفًا حرًا، فما تستطيع الحكومة أن توجهه بما ليس فيه”. (كتاب شروط النهضة)

مشكلتي مع التأريخ

قياسي

كثير ما يردد البعض بأن اقرؤوا التاريخ، كثير ما سمعنا أناس تردد بأنهم لا يتكلمون ولا يطرحون أفكارهم عن فراغ، وإنما عن حقائق ووقائع تاريخية.
قد يبدو التاريخ وكأنه مجرد حقائق ووقائع حصلت بالفعل بالنسبة للكثير، وقد تبدو بعض التفاصيل التاريخية مسلّمات بالنسبة لآخرين، وقد تبدو مستقبحة عند البعض كلمتي بأني لا أثق بالتاريخ، لإيماني بعدم حيادية المؤرخين وتأريخهم.
مشكلة عدم الحيادية هي ليست خطيئة كما يظن البعض، كما أن الحيادية التامة ليست بالشيء الواقعي أو الممكن. أنا لا أتهم أحدًا بسوء نيته، وإنما أصف واقعًا بشريًا بحتًا، تتعرض له كل محاولة للتأريخ
يعتمد التأريخ بنسبة كبيرة على مشاهدات المؤرخ، والذي قد يتجاوز أحيانًا ليسجل أشياءً ويتغاضى عن أشياء لا يراها ذات أهمية، والتي قد تكون بالفعل كذلك، وقد لا تكون. فهو بذلك يعتمد بشكل كبير على عقلية واختيارات المؤرخ للأحداث.
فضلًا عن أن الإلمام بكامل الأحداث يبدو مستحيلًا، فقد يلتقط المؤرخ سببًا يكون ثانويًا فيجعله محوريًا، وقد يحدث العكس وبكل بساطة.
كل هذا وأنا لم أتعرض لأولئك الذين يحاولون فعليًا تغيير التاريخ، أو حذف بعض من تفاصيله أو إضافة شيءٍ آخر. لغرض مادي أو لدعم فكرتهم أو لأيٍ من الأسباب الأخرى.
بغض النظر عن محاولة المؤرخ لأن يبدو محايدًا، فالحيادية ضرب من الخيال. وستقضي بشرية المؤرخ بانتماء معين، ويصعب التخلص من الانتماءات بشكل تام. مجرد. فطالما أن فيك حب أو كراهية فأنت بذلك قد تخليت عن حياديتك.

سأخصص هذه المرة بعضًا من الأحداث لدعم فكرتي :

١. تقول بعض كتب السيرة النبوية بأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد استخدم المنجنيق في حصاره لمدينة الطائف، وتعزي إليه مقولة بأن ارموهم بغض النظر عن الأطفال والنساء والشيوخ، طالما أن الهدف هو فتح المدينة ودخولها. وأعتقد باستحالة استعمال المنجنيق بداية في حصار مدينة جبلية كالطائف، فضلًا عن أن هذا النص لا يرد إلا عن أحد الكتاب الذين يدعمون فكرة قتل غير المسلمين بلا جُرم.
٢. في كتاب “قصة تونس” للأستاذ راغب السرجاني، قال بأن الرئيس بوتلفيقة كان يأمر باعتقال كل من له أكثر من زوجتين في عهدته، الكلمة نفسها يرددها الكثير من كتاب التاريخ (لن أقول عنهم مؤرخين). ما لم يقوله هؤلاء بأن الرئيس بوتلفيقة كان يعمل بفتوى الشيخ محمد دراز، التي يوافقه فيها الإمام محمد عبده قبلها، والتي تقتضي بأن شرط العدل للتعدد كان تعجيزيًا.
٣. قد يكون التاريخ السعودي هو الأكثر تعديلًا في الآونة الأخيرة، بداية من قصة دخول الرياض بأربعين رجل، دون ذكر المساعدات البريطانية. مرورًا بقصة جيهمان التي تواجه الكثير من محاولات الحذف من التاريخ. وغيرها الكثير الكثير.

كيف صرت مجنونًا [ المجنون ؛ جبران خليل جبران ]

قياسي

هذه قصتي إلى كل من يودّ أن يعرف كيف صرت مجنونًا: في قديم الأيام قبل ميلاد كثيرين من الآلهة نهضت من نوم عميق فوجدت أن جميع براقعي قد سُرقت – البراقع السبعة التي حُكتها وتقنعت بها في حيواتي السبع على الأرض – فركضت سافر الوجه في الشوارع الزاحمة صارخًا بالناس : “اللصوص ! اللصوص ! اللصوص الملاعين !” فضحك الرجال والنساء مني وهرب مني بعضهم إلى بيوتهم خائفين مذعورين.

وعندما بلغت ساحة المدينة إذا بفتى قد انتصب على أحد السطوح وصرخ قائلًآ : “إن الرجل مجنون أيها الناس” وما رفعت نظري لأراه إلا قبّلت الشمس ووجهي العاري لأول مرة. لأول مرة قبّلت الشمس وجهي العاري فالتهبت نفسي بمحبة الشمس ولم أعد بحاجة إلى براقعي. وكأنما أنا في غيبوبة صرخت قائلًا : “مباركون مباركون أولئك اللصوص الذين سرقوا براقعي”.

وهكذا صرت مجنونًا، ولكني قد وجدت بجنوني هذا، الحرية والنجاة معًا : حرية الانفراد، والنجاة من أن يدرك الناس كياني، لأن الذين يدركون كياننا إنما يستعبدون بعض ما فينا.

ولكن لا أفخرنّ كثيرًا بنجاتي، فإن اللص وإن كان في غيابة السجن فهو في مأمن من أقرانه اللصوص !


نص لجبران خليل جبران من كتابه “المجنون”. هذا النص من أجمل ما قرأت، وفيه الكثير من الرمزية التي أتمنى أن نتفكر فيها قليلًا.

سافر الوجه تعني كاشف الوجه، براقعي هي أغطية الوجه، غيابة السجن هي دواخله المظلمة.