أداة وحيدة للتعلم

قياسي

كان المنظر مهيباً بالفعل في ذلك اليوم, منظر الشاب الذي يتأمل تلك الأرض الخربة بحزنٍ شديد, لم يصدق بأنه عرفها يوماً كمدينة تجارية كبرى, ولم يقوى ذاك الشاب الياباني على مداراة دموعه أو على حبسها, فانهالت على وجنتيه وسقط على ركبتيه يبكي أرضَه التي تراجعت مئات السنين, بفعلِ قنبلتين نوويتين !

كثيراً ما تتردد هذه القصة على مسامعنا, وكيف كان الشباب يحملون أنفسهم على قراءة الكتب حتى يطوروا من بلادهم مستقبلاً.

وأنزعج شخصياً كثيراً من سطحية البعض في جعلهم أولى خطوات النهضة في صفحات الكتب, لأنني أراهم ضيقوا واسعاً ببساطتهم تلك ؛ فلم أعرف قراءة الكتب على أنها هدفاً يوماً, بل أراها وسيلة لما هو أكبر من ذلك, ولا يصح حصر القراءة كوسيلة وحيدة لتلك الغاية النبيلة.

لم يقم شباب اليابان وقتها بالقراءة لأجل القراءة فقط, بل كانت قراءة لأجل التعلم الذي سينعكس بعد ذلك على أرضهم ليصنعوا عمراناً نراه اليوم هناك !

بطبيعة الحال ؛ يختلف كل إنسان عن الآخر في طريقته المناسبة لتلقيه المعلومة, فليست القراءة مناسبة للجميع, ولهذا لا أحب حصرها كأداة وحيدة للتعلم, ولهذا لا أحب نظرة بعض القارئين إلى بقية وسائل المعرفة بشيء من الاستخفاف !

صحيح بأنني أحب القراءة من الكتب, وأهوى التنقل بين صفحات الكتاب, وملامسة الكلمات بأصبعي عند قراءتها, إلا أن هذا لا يعني ضرورة عمومِ هذه المشاعر بين الناس.

لا أرانا نعاني من نقص المحتوى بالكتب العربية فقط, بل نفتقر وبشكل أكبر إلى تنوع وسائل التعلم في عالمنا العربي, فتغيب عن أيامنا تعددية وسائل التعلم ؛ كالكتب الصوتية مثلاً ..!

خلاصة ما أقول هي أن العلمَ وتعلمِه ليسا حكراً على فئة من الناس, أو على أصحاب نمطٍ حياتيٍّ معين, فلنحاول نشرهما بكل وسيلة ممكنة يستطيع إنسان ما الاستفادة منها.

وقبل النهاية أحببت أن أسأل ؛ ما فائدة علمٍ لا ينعكس أثره على أرض الواقع ؟!

لوحة رحمة

قياسي

دائماً ما كان الضيق يخالجه في مشيته بالطريق, دائماً ما كان يتضايق من تلك المدنية التي انتشرت بطريقتها التي لا تبقي على شيء ليعترضها, دائماً ما كان يتضايق منها ويراها سرقته نشوة حريته, بقتلها لجمال الحياة ورونقها من حوله

لا تلوموه .. فقد منعت تلك البنيان نسمات الهواء التي اعتاد على مداعبتها لوجهه, ولم تجد تلك الحياة الطبيعية التي اعتاد عليها مكاناً بين تلك البنايات المنتشرة, بل واختفت تلك الكائنات الحية التي تزين المكان, واختبأت من ذلك العمران في إحدى الزوايا المظلمة.

صحيح بأننا كتبنا لأنفسنا حياةً أفضل وأسهل بمدنيتنا, إلا أننا قتلنا الحياة من حولنا كما أرى !

أنا أكتب هنا لأنني أتألم لمنظر قطٍ تشرد فاختبأ بين قمائم مدينتنا, لأنني أتألم لمنظر قطٍ جائعٍ ينادي رحمة كل إنسان يصادفه في طريقه, لأني أتألم لمنظر هريرة تتحسس أمها بغير استيعاب بأن سيارةً دهستها وكتبت نهاية عمرها .. وأتألم حين ألاحظ التكرار اليومي لمثل هذه المواقف وأبشع ..!

 أنا أكتب هذه الكلمات لأنني أعتقد بأن الإنسان مسؤول عن هذه الأرض, عن تطويرها وعن تكييف بقية الكائنات مع ذلك التطوير.

أنا أكتب اليوم علّ كلماتي تلامس أحدهم, ليدشن على الواقع فكرة من إبداعه, يرسم بها بعض الرحمة في شوارعنا, ويكتب نهاية لهذه الفوضى التي نعيش, لتكتسب أيامنا لوناً أكثر رفقاً وإنسانية.

قصة رمزية [ شروط النهضة : مالك بن نبي ]

قياسي

لقد حانت الساعة التي ينساب فيها شعاع الفجر الشاحب بين نجوم الشرق

وكل من سيستيقظ بدأ يتحرك وينتفض في خدر النوم وملابسه الرثة

ستشرق شمس المثالية على كفاحك الذي استأنفته هناك في السهل, حيث المدينة التي نامت منذ أمس ما زالت مخدرة

ستحمل إشعاعات الصباح الجديد ظل جهدك المبارك, في السهل الذي تبذر فيه .. بعيدا عن خطواتك

وسيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي تنثرها بداك .. بعيدا عن ظلك

ابذر أخي الزارع. من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك, في الخطوط التي تتناءى عنك .. في عمق المستقبل

هاهي بعض الأصوات تهتف ؛ الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة, وأنت منقلب إلى كفاحك الصباحي . وهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم , سيلتئم شملهم معك بعد حين

غنّ أخي الزارع ! لكي تهتدي بصوتك هذه الخطوات التي جاءت في عتمة الفجر, نحو الخط الذي يأتي من بعيد

وليدوّ غناؤك البهيج, كما دوّى من قبل غناء الأنبياء في فجر آخر, في الساعات التي ولدت فيها الحضارات

وليملأ غناؤك أسماع الدنيا , أعنف وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة التي قامت هنالك

هاهم أولاء ينصبون الآن على باب المدينة التي تستيقظ , السوق وملاهيه , لكي يميلوا هؤلاء الذين جاؤوا على إثرك , ويلهوهم عن ندائك

وهاهم ألاء قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرجين والبهلوانات , لكي تغطي الضجة على نبرات صوتك

وهاهم أولاء قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا ضوء النهار , ولكي يطمسوا بالظلام شبحك في السهل الذي أنت ذاهب إليه

وهاهم أولاء قد جملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة

ولكن شمس المثالية ستتابع سيرها دون تراجع , وستعلن قريبا انتصار الفكرة وانهيار الأصنام , كما حدث يوم تحطم هُبَل في الكعبة