٢٠١٣ | خواطر من #مصر (٣)

خاطرة (٧) : ساقية الصاوي

بعد عودتي من مصر، كتبت في أحد مواقع التواصل الاجتماعي ؛ “ساقية الصاوي، سور الأزبكية، الأوبرا المصرية، معرض القاهرة للكتاب .. كلها أمور تضعنا خلف مصر بعشرات السنين”.

تُعرف ساقية الصاوي نفسها بأنها “مركز ثقافى شامل، تحترم وتقدر الإنسان دون النظر إلى اعتبارات طبقية، مادية كانت أو مجتمعية، ولذلك فإنها لا تفرق فى المعاملة بين روادها من الجمهور، ولا تفرق كذلك فى المعاملة بين الفنانين وتتعامل معهم بأساليب موحدة وعادلة.”.

فكرة ساقية الصاوي الأولية بأنها مسرح ثقافي، يقدم بعضًا من المسرحيات، الحفلات الموسيقية، المحاضرات، الدورات التدريبية، والكثير الكثير من الأنشطة المتنوعة. تقيم من فترة لأخرى بعض الحملات التوعوية الاجتماعية، بأسلوب لطيف وخفيف متقبل من الجميع.

أهمية الفن والمسرح تكمن في أنه المقاربة الأقوى بين الفكر والشارع ؛ فعلى المسرح يشدو المفكر بكل أفكاره، ويغني المثقف بكل استنتاجاته، ويصرخ كل متألم بما يؤلمه. كما أن الفن تسلية للروح أي تسلية، يجدد لها ما تشرب، ويرسم على ثغرها ابتسامة تقويها في يومها القادم.

محزن أن تقوم مجتمعات، لم تتعلم بأن “الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية”، كما يقول بابلو بيكاسو.

كلمة أخيرة

عودة إلى السؤال الذي كان يشغلني بداية وصولي إلى مصر .. أعتقد بأنني سأعود إلى الأراضي المصرية مرات ومرات، وجدت فيها شيئًا من الوطن الذي كنت أتمناه، وشيئًا من الإنسان الذي أحب.

موقع ساقية الصاوي الرسمي http://www.culturewheel.com

٢٠١٣ | خواطر من #مصر (٢)

خاطرة (٤) مصر الجديدة

“مصر الجديدة” هي إحدى المناطق حديثة العمران شمال القاهرة، تحتضن أفضل دور العرض والسينمات بمصر، وبعض أكبر المجمعات التجارية الحديثة، ذات الماركات العالمية. ساعة واحدة بين “مصر الجديدة” وأخرى في “وسط البلد” كفيلة بتبيين كمية التباين والطبقية في الشعب المصري. تنظر “مصر الجديدة” إلى “وسط البلد” بأنها مجرد منطقة عشوائية همجية، وترد عليها “وسط البلد” بنظرة ازدراء لأنها مجرد منطقة متكبرة لأنها حازت على بعض الأموال لفترة ما.

من ملاحظاتي في “مصر الجديدة” ؛ بأن عدد السياح الخليجيين هناك لا يُقارن أبدًا بعددهم في بقية المناطق الشعبية الأخرى، وأعتقد بأنه لم يُخرج بعض الخليجيين إلى غيرها من البلاد سياحة ولا ثقافة ولا غيره، فلم يتعرفوا أبدًا على شعب أو على طريقة حياتهم، ولم يتعرفوا على ثقافتهم ولا تاريخهم، واتخذوا من سفرهم هذا كما يتخذ الطفل ألعابه لا أكثر.

في سياحتكم ؛ تعرفوا أكثر على المدينة، على أناسها وأسلوبهم في معايشة أيامهم، وعلى التاريخ والثقافة هناك. انسوا أسلوبكم أنتم في الحياة، وتشبعوا بأساليب جديدة.

خاطرة (٥) محمد بك أبوالدهب

من أكثر الأسئلة التي كنت دائمًا أطرحها على نفسي، كانت عن سبب العاطفة العظيمة عند المصريين تجاه أراضيهم، وكيف كسبت بلادهم حب شعبها، واستعدادهم للتضحية لأجلها بما يملكونه.

بعد زيارتنا لجامع الأزهر الشريف، أخذتنا أقدامنا في الشعاب المحيطة بالجامع ؛ الأكشاك المتشرة الصغيرة، كبار السن الجلوس على أطراف الطريق، الأطفال التي تجري خلف بعضها. وعن طريق المصادفة، وبدافع الفضول، دخلت وأحد الأصدقاء إلى باب كان أحدهم قد خرج منه للتو، فقيل لنا بأن هذا هو “مجمع محمد بك أبوالدهب”.

محمد بك أبوالدهب هو أحد الأغنياء قديمًا ؛ أقام مجمعًا سكنيًا لطلاب العلم في جامع الأزهر الشريف، وكان ثمن إقامتهم هو تكافلهم ليبدو ذلك السكن صالحًا للحياة ؛ فهذا يجب لهم الماء، وذاك يكنس الردهات، وأخير يساعد في إعداد الطعام. وعلى طرف المجمع السكني أقام مسجدًا، لكنه لا يُستعمل حاليًا للصلاة، لوجود بعض المساجد القريبة منه. وأخيرًا يضم المجمع قاعة، يُقام فيها عرض شعبي (عرض التنورة) في كل سبت واثنين وخميس .. أنصح بحضورها.

بالعموم ؛ أعتقد بأن الاهتمام بالآثار التاريخية لها صلة كبيرة بحب الشعب لوطنه وأرضه، فهي تذكره على الدوام بأنه صاحب تاريخ كان عظيمًا، وتذكره بهذا بأكثر الوسائل إقناعًا، وهي معايشة ذلك التاريخ، بأن تركت له آثارًا يعيش معها .. لا تتخلوا عن تاريخكم، بهدمكم آثاره عندكم.

قبل خروجنا من مجمع محمد بك أبوالدهب، سألت الدليل هناك، عن شعوره عندما يزور نفس المكان، أكثر من مرة بكل يوم، أخبرني بأن ملامح الدهشة في من يدلهم تحمّسه لأن يعيد الزيارة مع آخرين، أخبرني بأني يحب عمله هذا، ولا يتخيل نفسه في غيره.

خاطرة (٦) ضحكة

من أكثر ما أعجبني في الشعب المصري، هو سخريته من واقعه بطريقة مبكية.

أعتقد بأنه لا تسعى الجماهير إلى التغيير إلا إذا ما أحست واقعها مثيرًا للضحك والبكاء في نفس الوقت. وهذا ما حدث مصر، وما كنا نشاهده من وسط ميدان التحرير في ثورة ٢٥ يناير ؛ اللافتات التي تحمل تعبيرات مضحكة، وتسخر بشكل أو بآخر من الواقع الذي يعيشونه.

لن تستطيع السير نحو مستقبلك وإنت تترنح حزنًا، أو جامد بلا مزحة تلون كلماتك .. كن ضحوكًا، تكن أنجح الناس.

٢٠١٣ | خواطر من #مصر (١)

مع منتصف شهر يناير الفائت، تشرفت بأولى زياراتي إلى جمهورية مصر العربية ؛ الأرض التي لطالما كانت مصب اهتمامي ؛ بتاريخها، وأدبائها، ومفكريها، وكل عظيم وبسيط فيها. وأعتقد بأن صعوبة الزيارة الأولى أنها كانت ترميني إلى كثير من الاستفهامات، شغلتني الكثير من الأسئلة، تخيلت الكثير من التفاصيل، بجمالها وبشاعتها .. كل شيء !!

كل ما سمعته عن مصر، كان متطرفًا، متناقضًا، بين عشاق ومشمئزين، دمعت أعين البعض شوقًا وهو يخبرني عن أيامه فيها، وصرخ البعض مستنكرًا ذهابي إليها، خصوصًا في ظل الوضع الأمني المجهول هناك .. وأعتقد بأن كل ذلك أصابني بشيء من الخوف، من عودتي منها مع ردة فعل من كل ما هو مصري، أو كل ما هو ليس كذلك.

خاطرة (١) : كتاب آخر في القاهرة

أعتقد بأنني أحببت “وسط البلد” أكثر من غيرها، أعتقد بأنني وجدت جزءًا مني هناك، بين ميدان يرفع “التحرير” شعارًا له، وآخر يعلوه تمثال لطلعت حرب باشا، بشاربه، وسيفه، وطربوشه القديم. تنتشر في تلك المنطقة الكثير من المكتبات ودور النشر ؛ ما يقارب الخمسين مكتبة إن لم أكن مبالغًا، لا تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر من عشرين مترًا فقط. والمدهش كان في تنوعها القوي عن بعضها البعض، فلا تكاد تجد كتابًا متكررًا في كثير منها. أضف إلى ذلك تناثر باعة الكتب المتجولين في الشوارع ؛ كتاب عميق في الفكر العربي، وآخر هناك يحكي سيرة عظيم، وكتاب يدافع عن موقف سياسي، أو أخير يذكرك ببعض الطرف الشعبية .. الكثير جدًا.

انتشار الكتب بهذه الكيفية أثارت إعجابي بشكل كبير، خصوصًا لأنها كانت تيسر للعامة القراءة، ولأنني -في المملكة العربية السعودية- لا أجد الكثير من المكتبات الثرية، فضلًا عن كونها متجاورة مع بعضها، مما يصعب عليّ إيجاد كتاب ما، لندرة الكتب أو لقلة المواضيع المنشورة.

أضف إلى ذلك انتشار المقاهي في تلك المنطقة، والتي بدورها كانت تضع لكل فترة من الزمن كتابًا معينًا لتتم مناقشته في موعد محدد، كما أن كتب الفترة تكون متوفرة في المقهى نفسه ! كثيرًا ما يزور مثل هذه اللقاءات بعض المثقفين، وأحيانًا كاتب كتاب الفترة أحيانًا .. في النهاية ؛ كل تلك النقاشات تضمن عقلًا متفتحًا أكثر، وملمًا بموضوع الكتاب، وجهات ضعفه.

هذه المقاهي وغيرها كانت متوفرة من قديم الزمان، أشهرها هو “مقهى الفيشاوي”، الذي فقد قيمته الثقافية حاليًا، ولكنه لا يزال يحتفظ بموقعه الجغرافي، وبمكانته في قلوب العامة، والسياح.

خاطرة (٢) طفل وقسيس على المقعد الخشبي

في زيارتنا للمنطقة التراثية في القاهرة، والتي تضم عددًا من المساجد القديمة (مسجد عمرو بن العاص مثلًا)، وبعض الكنائس والمعابد اليهودية الأثرية. أعجبتني محاصرتهم للكنائس بالحدائق المخضرة، أعتقد بأن ذلك يخلق راحة نفسية للاجئ إلى الكنيسة من ذنوبه، الهارب من سوداوية الحياة إلى قطعة السماء تلك، أو للمغادر للكنيسة المجابه لتقاسيم الحياة.

لفتني في الحديقة منظر الطفل الذي جلس إلى قسيس يحادثه ؛ كان القسيس وقتها يجيب على أسئلته الوجودية الطفولية البسيطة بكل صبر وابتسامة، أعجبني جلوس القس إلى الطفل بدلًا من صراخه عليه مطالبًا إياه بالوقوف، وبالنظر إلى الحياة بأعين القسيسين. أعجبني حوار القسيس مع الطفل ؛ عندما يحادثه بلغة بسيطة، ويخبره بأن الله يطلب منا أن نطيع والدينا، أن نتعلم، وأن نتوقف عن أفعالنا الشقية التي تؤذي الآخرين.

شخصيًا ؛ أعجبني تعامل القسيس مع الطفل، ومع أسئلته، ومشاكله العائلية. أحيانًا يُخيل إلي بأن أكثر ما يساعد الكنيسة المعاصرة على الانتشار، هو أبوابها المفتحة للجميع، التي تنادي بالرحمة والتعامل الحسن بشكل أساسي في خطاباتها، وكمبدأ أساسي في الدين .. أعتقد بأن الناس تبحث عن دين يكون لها جنة رحمة في الأرض.

خاطرة (٣) قارب على النيل

أعتقد بأن أجمل اللحظات التي قضيتها هناك، كانت في أحاديثي التي جمعتني مع بسطاء الناس هناك ؛ سائق الأجرة، البائع المتجول، قائد القارب الذي أخذنا في جولة حول النيل، والذي كان شابًا في العشرين من عمره، اضطر نتيجة انجراف أبيه إلى المخدرات وانصرافه عن عائلته، إلى العمل لتأمين لقمة عيش لأمه وأخواته.

يقول “سيد” قائد القارب بأنه ترك الدراسة قبل سنوات، وبأنه عمِل لمدة سنتين في الأردن، حتى يضمن لأهله قوت يومهم. وهو الآن يشغل قاربه هذا ليضمن لهم حتى دراستهم الأكاديمية !

في منطقة أخرى قرب جامع الأزهر الشريف، لفتني بائع بسيط، كبير في السن، إلى الدرجة التي تخفي عينيه داخل تجاعيد وجهه. جلست أتفكر في حالته المالية، ورسمت كثيرًا من التصورات عن تفاصيل يومه .. كانت كلها مرعبة، للدرجة التي لا تحترم شيخوخته ولا انحناءة ظهره، وتجبره على الجلوس الطويل هنا منتظرًا من يشتري منه أمتعته.

أتفكر كثيرًا في حالنا، في اللقمة التي وُلدنا نأكل منها، والأسئلة التي لم نكن لنتطرق إليها لو لم تُشبع احتياجاتنا الأساسية. وأخاف أن يسألنا الله تعالى عن نعمتنا هذه، وكيف أضعناها بأن صرفتنا عمن لم ينعم بمثلها.