سرب

200501491

 

لنا قصة في سربنا، نحييها بالنغم، عن صغيرنا الذي مضى، ولم يكن له كفن.
لنا غنوة في صدرنا، ندميها بالندم، عن أوجاعنا المتخثرة، عن الظلم والألم.
صاحت أجنحتنا الجريحة:
“كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر”
كل سماء ولها أكفانها
كل ليل وله منغم خائر

هي ثورة، وهي انتفاضة، هي كلمة (لا) هوجاء منقوشة على الحجر.
هي نارٌ، ألف إعصارٍ في وجه النسر الذي حرمنا حقنا في القمر.
حمراء، بدماءِ أجنحتنا البريئات.
بيضاء، بوفاءِ رفرفاتنا الجريئات.
سوداء، كالغيم، كالرّعود، كألوان اليأس والقيود.
هي الثورة، هو حدادٌ ينتفض عن تراتيل الأحزان.
هو التمرد، مستبدلًا  كحل العين برماد البركان.

“كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر”
كل سماء ولها أكفانها
كل ليل وله منغم خائر

ظلت جموعنا تهتف متمردة، فهذه السماء لنا، هذه الأرصفة لنا، وحواف الأسقف منا.
باسم ريشاتنا الناقصات، باسم أرواحنا الثمينات، وباسم الشعر والقصيد، والهديل والمغنى.
حمراء، كالسجن صولجان الضيم.
بيضاء، كالحُرُّ حواريُّ الغيم.
سوداء، كالنسيان، كالكلِم، كالموت، واحتضار الفهم.
لابد لهذا الليل من شمعة تحييه، تطلع بها النجوم، ويتورد القمر.
لابد لهذا الظلم من نضال يمحيه، نزفه ألحانًا، يعود بها السمر.

“كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر”
كل سماء ولها أكفانها
كل ليل وله منغم خائر

هديلنا هدير، نسيمنا صليل، والسلام تمجِّده فضيلة قتل واحدة، ليست بجريمة.
فاليوم للثورة، يومٌ نقتنص فيه خروجًا من هذا الكهف، نمحي به عن سمائنا كل معاني الخوف.
واليوم للانتفاضة، سنفقئ مقلتي جالوت، ونعمُر على الأرض ألف أقحوانة لا تموت.
هاهي جموعنا تهيج، وتهتف متمردة، هذه السماء لنا، هذه الأرصفة لنا، وحواف الأسقف منا.
باسم أيامنا الناقمات، باسم قلوبنا الهائجات، وباسم الشعر والقصيد، والهديل والمغنى.

ابتدأ يوم الغضب، وغابت الشمس والقمر، وانتهت خمسة أعوام دون نصر، دون أن ينطفئ منا الجمر.
فلا هي تراقصت ظلالنا، ولا طار سربنا، ولا أنِسَت نجومنا، ولا جاء النسر.

خيبة

Hopeless-4fd5b14b0d0f2
كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الرهبان على صُلبان الألمِ، والشكِّ، واليأس.
وأنا أسير صليب مجتث يترك آثارًا لغيري، علّها يومًا تنهي مسيرة هروب !
كل الأرواح متسمّرة على خُشُب من ظلام، وكذبات تاريخ يتملّق الطغاة السافِحين.
لعنة، وألف قيد .. ماض يلعن المستقبل، ولحظات تهدم ساعات، والمسير الطويل يتوه بخطوة.
وكل مفترق طريق يُستَنطق جهالَة، وكل محاولة انفكاك تسخر منها الاستحالة.
والإعصار العبثي يلتهم كل أمل فينا، يلتهم خرائطنا ويلفظها وجعًا للمصير.
إلام مصيرنا المشؤوم هذا، الذي انعدمت فيه اختياراتنا وأُقسرنا على كل ما فيه؟
وكيف سنختار مسيرتنا قبل أن تحدد فيه خياراتنا؟
كيفما ستتبين خياراتنا ما لم يكن لنا باع من تجربة؟
كل الأزمنة والأمكنة مُشرَّعة أمام ناظريك، لكنك لا تختار، غير ممكن هو الاختيار.
كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الجثث ألمٌ، وشكٌ، ويأس.
لا تقف على أحزانك، فأرضك دوّارة، وأنت مرغم على كِلا الجري والدوران.
لا تقف، لا تبصر حالتك، لا تدرك ذاتك، وأغمض جفنيك عن سيطرة السياق والخناق.
لا تنظر إلى أمسِك، شقاؤك هموم يكتنزها غدُك.
ولا تنظر أين تسقط أقدامك، واخضع لعبودية أحكمتها عليك العصور .. عبودية الاندفاع !
نقطة نور، هو كل ما يلزم البشرية لتَحسِب الدنيا ضياء.
قطرة ماء، هي كل ما يلزمهم ليظنوا بأنهم مُشاة على البحار.
الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيِّف بالأمل، وكل ما بأيديهم رغبةٌ واندفاع.
ألف قطرة تحفرِ صخرة، لكنها لا تقتل البحر.
ألف خطوة تقطع ميلًا، لكنها لن تنتهي إلى القمر.
الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيف بالأمل.
ينشرون قصصًا رخيصة تنتهي بالتقاء عشيقين، وأغان تزف الزيف مجدًا رخوًا.
وقواف منظومات يحتَضِن شاعرها وصورته على النهر، تطقطق في نيرانها صرخات الساذجين.
طقطقة أمل بقبلة أبدية، أمنية حب لا ينتهي، ورغبة بالعناق الأبدي.
كل نيشان ثقيلٍ على صدر الحب يفتت أقدامه أكثر، فأكثر.
كذبات أخريات تشبعت بها أيامنا، كذبات أخريات تكررت لتحضُر وتكون.
كل ما يتعالى على الأزمنة، ينال عرشًا بالأفئدة. والكل ينتحر بعيدًا عن كل العصور.
كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حطام، تعلوها جثث ألمٍ، وشكٍ، ويأس.
كل من يكترث بالموتى لم يرفع كلمتَه على المِقصَلة، كل من يهاب الموت لم يقطع حبلَ المشنقة.
الإنس تفرقهم أيامهم، تجمعهم مصائب بعضهم، والهلع في أعينهم يسقيهِ خوفهم من أسطورة المصائب أنها مُعدِية.
لا تحزن، لا تبتسم، لا تيأس، واحم جنونك بسور عن أعينهم، واختبئ أنت وراءَ الأقنعة.
كل من تغنى بضياء القمر لم يحفل يومًا بظلمته المختَفِيَة.
لا تحزن، إذا ما رفضك الجميع، وأحبوا أقنعتك. يكفيك أنك لم تزل قبطانًا من خلف الأشرِعة.
لا تبتسم، إذا ما جفت أدمعك، واستحضنتها الأتربة. وشيّعها مسيرة كفاح ولَهَا أجنحة.
لا تيأس، سنطفئ نيرانهم بدمائنا، وستنبت من مُقلتينا في مدينتهم ألف زهرة.
ولا تهتم، ولا تكترث إذا ما خانتك القدود السمهرية، واتّقتك الخُطى الأكتوبرية.
أتمنى فقط أن تتغير السماء، وتتبدل الأرض، وأن تنطفئ النجوم.
يا مرنمًا بأطهر الصلوات،
يا شاعرًا،
ويا قلبًا من أغنيات،
يكفيك أن صدرك لم يزل فضاءً حيًا، ألحانك فيه طير سرمدية.

حياة

candle light background

 

سأوقد شمعة عن كل حلمٍ انكسر، حتى يحترق عالمهم بمعنى الخيبة والألم.
وسأنحت رسمًا على العدم، وعلى ما كان، وما استحال، وما قُدِّر له أن يكون.
وأبدد ظلمات الكون بقبسٍ من خلود، تطقطق بها أنغام شوقٍ وتراتيلٍ ووعود.
لياليهم تراكمات تاريخ وتابوهات وآثام، تبتلع أرواحنا وطفولتنا لتغيب عنها الشمس.
وفعل الحياة فعلٌ من مقاومة.
فنادي بجيوشهم على باب مغارتنا، بأننا نثقب في جبالهم ألف منفذ للحياة. وستغدو طرقاتنا وَضحًا من نهار، تبرق فوق دروعهم عواصفًا ورعود. وليتوهّج قلبك الفضيّ، واخلعي عنه سجن صدرك، نحن أرواح لا تعترف بخطٍ زمني، ولا بقيود المسافة ولا الوجود .. نحن أنوار سماوية خارجة عن كل هذه الحدود.
لاشيء منا هنا.
لا ننتمي نحن إلى تراكماتهم هذه، لا التاريخ لنا، ولا الآثام منا، ولا تابوهاتهم تمنعنا .. لا شيء منا هنا.
لن نلتقي رمادًا أسفل جحيمهم، لن نتآكل كسنواتٍ من بدع، ولا مزاميرنا ستستيغ الوجع.
لا شيء لنا هنا، ولا يعجبنا من دَركاتهم شيء.
كوني ثوْرة كبرياء، كوني سؤالًا من حنين، كوني قطرة فجرٍ سخية.
كجملة رفض على كل الأركان، فلا يستعبد الموت إلا من يرتجي منه الصفاء.
كقصيدة حب ممتدة على أسوار المدينة، لا تحتبس بعدها أشواقنا ولا يتعذر النعيم.
كورقة تَخضَر في كل خريف .. حسبكِ أنك عاشقة، وحياة العاشقين أولها خلود.
عمرنا نحن ساعةُ عناق.
لهفة حياة وتمرد واشتياق.
أجراس حسٍّ وحبٍّ وضمير، وغابة تفجرت عن يابس السياق.
عمرنا نحن ساعةٌ من عناق.
جَدولٌ من أغنيات وأوتار وسجود.
كلما ترنمنا بها ازدان الوجود صلاة وورود.
وأنتِ الحقيقة .. يا قِبلة السماء، وأمان النيريد.
شفتيكِ سُكْر هوىً، وأنفاس هُيامٍ، واختلاجات قلبٍ للجنون.
عيناكِ بصيصُ وطن لا يموت.
عيناكِ زُخرف إيمانٍ من أغاني أطهر الفيروز ببيروت.

رسالة إليّ أنا

زهور عمري كانت هي سقياها، كنت أنا الأرض التي أجدبت، وهي السماء التي تظلني وعني أمسكت. فصيّرتني سجينها بين الأربع حيطان، وكانت هي والقدر سجانتي ويأسي ووحدتي. رمتني مستوحشًا وسط كل ذاك الفراغ، لا أمل، لا بصيص، بلا اطمئنان.
لا تولد العنقاء من رمادها في كل مرة، حتى الشمس ستسأم يومًا من مشرقها وطلوعها المتكرر بلا فائدة.
أنفاسي قطران، سقياي الجحيم والنيران، وكل ما كنته أنا كسيح قزم، وجيفة تعافها الغربان. مددت ما تبقى من ساعدي، لأخط بعيني على جدرانك أني أكرهك، أكره تقديسي لكِ وصغاري عندك، أكره فنائي في كل ما هو عنكِ، أكرهك من شدة حاجتي لكِ.
وكتبت بهواني وخيبتي رسالة مني إليّ، علني يومًا تهت من نفسي، من الماضي، والتاريخ، ومن كل الذكريات.
الخوف، الروح، الحب والاطمئنان، كل المعاني تلتصق بالاهتمام.
وأنا لم أهتم إلا بذاتي وعقلي المشرئب بالذكريات. كل الأحجار على رقعتي حركتها أنا، لي ولذاتي، وبكل مفردات الخطيئة العائمة فوق الأنانية، كنت أنا كل اهتماماتي .. حتى انتشلتني هي.
يا نبيلة الطاولة المستديرة ؛ لم أفهم تمجيدك للأسماء، فالفضيلة فينا تقتلها الخطايا في الآخرين، لا يتقبل البشر الطهرَ والملائكة بينهم.
يا سيدة البرق والسحاب ؛ لمَ التبسم لأيامنا وهي التي تلتف من ورائنا كلما غفلنا عنها ؟
يا جمالًا، ويا بهجة ؛ إلام تصير أجسادنا، التي تشل حركة أرواحنا كلما انشغلنا ؟
يا مؤنسة الأيام والقدر، والسيف المسلول على روحي وحدها ؛ إلامَ تتشكل الأيام، وأنا المستعبد في قصة عشقك وعينيك ؟
يا كمالًا، وصبابة، وكل الأشياء التي لا تُصدق ؛ إلامَ المسير وأنت كل المعنى في كل الخطى، وأنا الهباء في الميزان عندك ؟
الخوف، الهواجس، الانتحار، وكل مواجهاتنا للحياة ثورة ضد الأسر والاهتمام.
أسخف ما نتذكر الأسماءَ، فلا يدل الذل والخطايا علينا إلا المدلولات، وتشبث الفضيلة بالأسماء تمحوه الخطايا. كم ستبدو حياتنا أكثر خفة وليونة، إذا ما تخلت عنا هذه الأصابيع والكلمات التي تشير إلينا.
من أين أتاني الحزن يا مليكتي، وكيف جاء ؟
محملًا بكل الخطايا المنمّقة، والشحوب والخيلاء.
أولئك الذين انتقدوا الأنانية يومًا، انتقدوا مصلحتهم التي لا يرونها فيك. لا عيبًا في الأنانية ؛ هي توقعات الآخرين التي تسبقك إليهم، وتؤصل فيهم خيبات الأمل كل يوم، وتتركك للغربة والوحدة في كل مرة.
لا تتأففي إذا ما ثرت في الطريق وحدي، إذا ما حطمت القمقم المسدود في عصوري، إذا ما نزعت خاتم السلوك عن ضميري، فتآمر بين المسافة والزمن كفيل بأن يجعلانك أبرد من صقيع الشمال في صدور أقرب الناس إليك.
من أين أتتني وحدتي يا صغيرتي، وكيف جاءت ؟
محملة بالوحشة والضباب، وخطىً لا يؤنسني في سبيلي إلاها.
لا تُقام نصب العظماء إلا بأكفان قلوبهم المستكبرة.
لا يقوم الحب إلا غجري، بجنون المقدوني الأعظم، وأوتار لحن في حانة ببغداد.
صحائف الجنون أكفان الغربة فينا، توابيت القمر في ليالينا أزهار لوعتنا الدفينة.
أولئك الذين يحبون بعمق، يخسرون كل شيء.
ما الذي يفعله فينا القمر ؟
عشق مخمّرة، همومٌ معتّقة، ورشفة ليل لا تُرى فيه إلا أحزان الغرباء، وشوقي الطفولي إلى البكاء، على نعشٍ انتهش من روحي إرادتها في الحياة.
ما الذي يفعله فينا القمر ؟
منتشيًا باليأس يمضغ آمالي اليابسات.
لا وطن، روحي التي استوطنتكِ قربانٌ يمحو سخطي.
لا وطن، تاجك الرفيع مرصع بجماجم أحلامي، صولجانك الذهبي براءتي الكسيرة.
لا عاشت سماءٌ تغتالنا كل مرة، ولا عاش الوطن.

مقعد خشبي

“الناس لا تبوح بأسرارها للأصدقاء، وإنما للغرباء في القطارات، أو على المقاهي العابرة”*، أو على مقعد خشبي بفقاعة معزولة عن ضجيج المدينة التي تحفها.
مقعد خشبي .. واللجوء إليه إرهاقًا من الحياة، على أحاديث الألم تارة، وأكاذيب الأمل تارة أخرى، وقد يُغني شعورٌ بالألفة عن الكلمات، فقط شعور الألفة.
مقعد خشبي .. وجليسان اعتصرت أيامهما الألم، ففاضت أرواحهما أسىً وكدر. جلسا يلتقطان شيئًا من أنفاسهما بعد منافستهما الحادة ؛ أيهما الأكثر أتراحًا ؟ ولأيهما النصيب الأكبر من مرح الحياة في سخريتها ولهْوِها المعتادين.
ابتسم الأول استسلامًا وسخرية، مستحضرًا ضعفه في اللعبة غير العادلة أمام الحياة والقدر، فخالجته مشاعر مكابرة أنطقته مواسيًا ذاته بسؤال : “بأي شيءٍ قد تفدي دقائقًا يرجع فيها إليك بصرك ؟”.
ففاجأه الجواب البارد : “لن أقبل بهكذا صفقة”.
دقائق من الصمت والعَجب، قطعها تبرير الضرير : “أي قيمة أرجوها من نعمة يصاحبها الخوف ؟ لا نعيم مع ترقب الأفول”.
التفت الأول -محركًا يديه مبررًا بحركات لا معنى لها- : “اعتقدت بأنك أكثر تقديرًا لنعمة الابصار، لا أفهم منطقك الذي يجعل كل النِعم بلا قيمة، فالزوال مصير كل شيء في النهاية”.
رد بابتسامة مطولة، ثم : لم أقل ذلك عن كل النعم، وإنما قصدت ما يكون تحت ملكيتنا، ومن تكويننا. أظن بأن أعظم االنعم هي ما يقبع خارج ملكيتنا وتحكمنا، كالعلاقات البشرية مثلًا، فوقوفها بعيدًا عن دائرة سيطرتنا تجرنا إلى حوار دائم، ورابطة تساؤل مستمرة، تفضي بتكرار إلى العطاء، إلى المحبة، والضحكة، وكل ذلك سيكون عُملاتك وقوتك في المسير .. صدقني، مثل هذه العلاقات (النِعم) أكثر عمقًا، وأشد صدقًا.
التملك قوة، ولكنه يتركك عند وصولك أعزلًا، التملك رغبة، يُمكن إشباعها بقليل مجهود، وكثير من الحظ”.
“ولكنك بهذا تلغي فرضيات عدم ملكيتنا لأجسادنا”.
“إن لم نكن هذه الأجساد، فما سنكون ؟”.
ابتسم الأول لنفسه، وقام : “مجرد غريبان على هذا المقعد الخشبي”.


(*) : بهاء طاهر

حصيلتي من #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب ٢٠١٤

• رسالة في اللاهوت والسياسة : سبينوزا : دار التنوير
• رسائل فلسفية : ڤولتير : دار التنوير
• المجتمع المفتوح وأعداؤه (١) : كارل بوبر : دار التنوير
• الثورة الفرنسية وروح الثورة : غوستاف لوبون : دار التنوير
• اعترافات روائي ناشئ : أمبيرتو إيكو : المركز الثقافي العربي
• الهوية (رواية) : ميلان كونديرا : المركز الثقافي العربي
• مفهوم الدولة : عبدالله العروي : المركز الثقافي العربي
• رحلتي (سيرة ذاتية) : الموسيقار محمد عبدالوهاب : دار الشروق
• غربة الكاتب العربي : حليم بركات : دار الساقي
• الجهل المقدس : أوليفييه روا : دار الساقي
• من بلاط الشاه إلى سجون الثورة (سيرة ذاتية) : إحسان نزاغي : دار الساقي
• الفن : كلايف بل : رؤية للنشر
• جبران : بطرس الحلاق : المنظمة العربية للترجمة
• قواعد لغة الحضارات : فرنان برودويل : المنظمة العربية للترجمة
• فلسفتي كيف تطورت : برتراند راسل : المشروع القومي للترجمة
• عبادة الإنسان الحر : برتراند راسل : المشروع القومي للترجمة
• في مدح الكسل : برتراند راسل : المشروع القومي للترجمة
• نحو عالم أفضل : برتراند راسل : المشروع القومي للترجمة
• انتصار السعادة : برتراند راسل : المشروع القومي للترجمة

صفحةٌ أولى

أشكال مختلفة، زخرفات غريبة، ومعانٍ متباينة، والمُدان دائمًا هو الحبر.
لا تنال الورقات كلها هذا الشرف، شرف الألم .. والارتواء بريق القلم.
عبثية .. الشرف هنا عبثي، وكذلك هو الألم. فالألم لا يعني دائمًا الخلود، الخلود هو الآخر عبثي.
أمنية الورقات والصفحات الأولى هي الخلود، العبثي .. كل الورقات تسعى إلىه وترتجيه، ولا تدري أيُّها كيف الوصول إليه .. هي فقط الحيرة، والضياع، الاختيارات العشوائية، والوصول الذي لم يحققه أحد.
قالت ورقة مرة بأن الخلود يمنحه الكاتب، وعلى كفاءة كُتّابكم تنالون خلودكم. صاحت أخرى بأن لا خلود لكاتب بلا قارئ يفهمه. صاحت ورقة نصف محترقة بأن الخلود تمنحه زمالتك لأوراق أخرى على هيئة تشكيل تنظيمي يختبئ خلف جلدة قاسية. وصرحت أخيرة بأن الموضوع اختيارات سماوية، وأن الخلود دروشة وانضمام للكتب الدينية. وازداد الهرج والمرج، والكل يسكب كلماته ومعتقاداته أمام الآخرين، واشترك القائلين بأن كلهم يظن أن الخلود في طريقه.

صحفة أولى .. صفحة أولى .. صفحة الصفاء والبياض الكامل

أوقفة احترام هذه أم هي للحيرة ؟ أم أن الوقفة لم تُفصد وكانت هي الأخرى عبثية ؟
القلم الذي يتحرك في رقصاته، وحيرته وتردده كلما اتضحت ألاعيبه.
والخيط المفتت المنتظر لمن يكنسه ويجمع شتاته في كلمة .. وفكرة متماسكة.
تقول الأسطورة بأن الأقلام الشريفة تقف مطولًا عند كل ورقة، قبل أن تسرقها عذريتها، وبياضها الناصع الذي يمنّي كل الأقلام الأخرى بها. إلا أن البعض يعتقد بأن الأقلام كلها لا تعدو إلا فنانًا مشاغبًا لا يحترم خصوصية الآخرين.

الصفحة الأولى .. الصفحة الأولى .. والسير بلا فكرة، وبلا نية للبحث عنها أحيانًا.

أنا فكرتك .. تمعّن في عينيّ .. وفي عينيّ فقط.
ضمني إلى قلمك، وأبحر إلى صفحتك، أخاف أن تغويك فكرة غانية أخرى .. ما هذه الأرض بدار نهايات .. قبّلني، أغلق عينيك، واجعلني على صاريتك، وفوق بوصلتك، وكُن كل البحارة والسفينة .. إلى نهاية الورقة، حتى تتخلى عني بكل برود، وأبكيك بكل رضى.

الصفحة الأولى .. الصفحة الأولى .. وحلم الوصول الطفولي.

أحقيق هذا الوصول أم أنه هو الآخر وهم اعتقدنا به في حداثة أيامنا، أحقيقة تلك النهاية أم أنها هي الأخرى ماء السراب ؟
اسأل كل الورق الذي يحارب غزو السواد، مدافعًا عن بياضه على أسوار مدينته التي تتهاوى الأرض من تحتها .. لا تحكي أي ورقة كهذه قصة حقيقية .. ولا تتناقل الأوراق قصصًا لا يسوقها الأمل .. كذبة.

صفحة بيضاء .. مغرورة .. تمني نفسها بالوصول، الأولى التي بدأت متأخرة، كثيرًا. لم تفهم بأن طريقها معبَّد بالجثث، أو أنها تركب رماد غيرها، وأن الآخرين لا ينبتون من تحت النيران كأي أسطورة قديمة.
ورقات لم تفهم لماذا كان قتلها، صلبها، حرقها، أو تقطيع أطرافها. وتظن ورقة يافعة ومغرورة بأنها ستصل إلى النهاية .. وبأن وصولها كان مقدرًا، منتظرًا، وبأنها كانت تكنز للعالم خلاصه من آلامه .. لا تعرف حتى هي سببًا لاختيارها، أو كيف وصولها .. عبثية.

معزوفة الأبدية

كزهرةٍ ذابلة بين عشبتين ووسط حجر، رسم الندم على وجهها شحوبًا فاتنًا، وكتب على عنقها طأطأة وانحناءة للظهر، لما أيقظها بنَداه من حلمٍ تتذكر فيه فرصة الخلود !


كل حضارات الأرض تُولد في قلب امرأة، بين الفناء والخلود قُبلة، وكلمات تشبه “أحبكِ”. لذلك تلألأت أضواء مدينتكِ، بجنونها وصخبها وأعينها التي ترفض استسلامات الناعسين. كل أرصفة الشوارع تضحك باسمك، ولم تختلط أنجم سمائها إلا قصد ابتسامة شفتيك وأمنية، ومن صدرك نفحة أمل.

وعلى أوراق أديبٍ يخط بقهوته المُرّة كلمات، كلماتي تنهيدات، للطيور سماؤها، وللأعين دمعاتها، وأنا لي قلمي والذكريات. إلى أين الهروب منكِ، وأنا أرسمكِ في كل مكان وأرى من خلالك ؟ كيف الحياة في غيرك، قد صرتِ لي وطنًا ولكل أمنياتي ؟ من بين يديك وُلدت مرة أخرى، وبكِ أعدت تعريف العالم من جديد.

بين أسطر روايتي أجدكِ منبعًا للفضيلة، والبشر فوق خشبة كوكبهم يحاكونك. تحت ألوان لوحاتي أخفيت عن العالمين أنك إكسير الأنوثة، وابتسمت بحبثٍ وأنانيةٍ لمّا تناقلوا أقاصيصًا يسمعونها عنك. وكتبت عند مداخل عواصم الشرقيين اسمي واسمك، وأسررت لورقات الشجر أن الليل أنا، وأنكِ كل معانيه ؛ في ظلامي أنت القمر الخفيف، والنجوم اللامعة أيضًا على كحلي وحول عينيّ، وما نسمة العاشقين عند النهر إلا ضحكة منكِ.

لم تنطق موسيقى أوتاري لغيركِ، ولم تختلط أوراقي بفرشاتي إلا لكِ، أحببت منكِ كل شيء، وعشقت بعينيك كل ما حولك. قرأت الأشعار باحثًا عنك، ونظمت قوافيها لأخلق جملة تليق بكِ. وأسررتك بين جنبيّ أسطورة شرقية، وحكاية حبي الأول، وعشقي الأخير.


إعلاني إياكِ حبًا يغدو مُلِحًا في غربتي عنكِ، جبانًا تحت ناظريك، لوامًا عند الفراق. كم أكره تلك الكلمات التي لم أقلها وتفهمها عينيكِ، كما أكره تلك اللحظات التي تبرد فيها حنجرتي ويجمد صوتي عند كلمة “أحبكِ أنتِ”.

بيني وبينك كلمة هيامٍ أولى، ومشاعرٌ -كلما هممت ببوح بها- تتشيطن هواجسي وشكوكي باحتمالية رفضٍ منكِ، أو تجهّم يكتسبه وجهك ولو لحظة بسببي.

بين خطوة تبعدني عنكِ، وأخريات تفصلني عن قطارٍ صائحٍ مؤذنًا بالرحيل، دفعتني هواجسي لأن أسوق الخطوات الثقيلات والتي أخذتني بدورها بعيدًا عنكِ، وحبست ألف ألف آهٍ ودمعة من انفجار قريب، وتصنعتُ بكذبٍ ابتسامة. صباح كهذا كان جدًيرا بي وبك، بنظرتي الممتنة لكِ، وابتسامتك المطمئنة لي، وكلمتي العريقة التي أخطها بكل أناقة بين عينيكِ، أني أحبكِ.

في صدري -اليوم- تتساقط أوراق الماضي والحاضر، لا حياة لمستقبل لا يختلط بمستقبلك. في قلبي أسوارٌ بغدادية تتهاوى، ودمشق الشامية تحترق بكل بساتينها، كل أغاني الحجاز سكتت، وحضارات مصر العظيمة تتفجر لومًا وحسرة، واستعطافًا للقدَر أن يرسم لنا لقاءً بصباح لا يهترئ، لقاء أهدي فيه للأقدار ابتسامة، وأرسم بيني وبينك سعادة.


أقلامي تموت منتحرة الواحدة تلو الأخرى، كنت أريد تأليف عبارة حب تليق بكِ.

أوتاري تتفتت كلما لحّنت لها أغنية تطمئن عينيكِ في طول انتظارهما.

حتى فرشاتي فقدت لمستها الفنية، لمًا أردت رسم لوحة تخبركِ أنكِ عندي كل شيء.

سألتك بالذي أودع في أسرار الجمال كاملة، أن هزي غصن الزمان، علها تُساقِط علينا لحظات وِصال، يُولد من رحمها ملاك وأديب. فلأقاصيص العرب خلود تستشفه من ضحكة شفتيكِ وابتسامة رضى من عينيّ، تخطهما اعترافات عاشقين.

صديقان، فسيري بقربي نكتب للعالم حبًا وحياة.

عشيقان، كلما سَهِر القمر، وغنى العود بكلمات الغزل.

أرِيديني في عسليتيكِ، ودليني طريقًا يأخذني من عدمي هذا إلى الخلود، علميني كلمة حب، تأخذني إلى الأبدية معكِ.

ردة فعل

 

“في الدول الشمولية يكون التدين أقوى، وفي الدول الحرة يكون الدين أقوى” ~ د.محمد مختار الشنقيطي

يُطلق عادة كصطلح (الدولة الشمولية) على الدول والمجتمعات التي تسير ناحية توحيد أفكار ومبادئ الجميع بكل تفاصيلها، طريقة الدين، أسلوب الحياة، وكل شيء بالعموم. سواءً أكان هذا التوجه شعبيًا يسعى إلى محاربة الأفراد المختلفين، أو توجهًا من الدولة والحكومة تجاه الشعب، وعادة لا تختلف توجهات الشعب وحكومته، فيكون لكليهما توجه محاربة المختلفين عن النسق العام. المهم ؛ بأن الدول الشمولية مستبدة في فرض أسلوب الحياة على الجميع، وتسعى لأن تشكل نمطًا عامًا لا يختلف عنه أحد. وقد تبدو أحيانًا بمظهر متسامح قليلًا سامحة ببعض الاختلافات البسيطة، إلا أنها لا تتخلى عن كثير من التفاصيل.
مشكلتي الكبرى -شخصيًا- مع فرض أسلوب حياة معين على الآخرين تنطلق من ناحيتين أساسيتين ؛ الأولى في أن تعاقد الفرد الأولي مع الدولة كعقد سياسي أو مع بقية الشعب كعقد اجتماعي لم يكن بداية ونهاية قائم على فكرة أبدًا، وإنما على مبدأ بسيط وهو الحماية المحسوسة للمتلكات (كتبت هذه الفكرة بشكل أكبر في تدوينة سابقة تحت عنوان : الدولة. المقدسات، والشعب). أما المشكلة الثانية فتختص بالمعنى، فالحياة في ظل المبادئ المفروضة تحول هذه المبادئ إلى عادات، وتسلخ عنها المعنى يومًا بعد يوم حتى تصبح كل الحياة وتفاصيلها بعيدة تمامًا عن الوضع الذي يستحمله بشري، مما يخلق ردة فعل قوية وحقيقية من قبل أولئك الصادقين مع أنفسهم.
هذا الصدق في ردة الفعل يكون مزيجًا من العاطفة والعقلانية. الشيء الذي يجعلها غالبًا غير منطقية، وليست كاملة في حريتها أيضًا وبعدها عن المبادئ المفروضة بداية. وبالرغم من أنني أرى ردات الفعل هذه صحية بالمجمل، فإنني أراه عرضة للرد على الدولة الشمولية بنفس مبادئها وتفكيرها، كثير من ردات الفعل هذه تبدو وكأنها مجرد الرأي المخالف للسائد وللماضي، وإن تحررت من هذه العقدة فإن موضوع اهتمامها وعمودها الفقري يكون مرسومًا فوق جثة المبادئ الماضية، فتصبح الفكرة الأساسية الجديدة في نفس موضوع الفكرة الأساسية الماضية، والمبادئ الأساسية في كلا الفكرتين متشاركتين في الموضوع وإن اختلفت في الماهية.
عندما استفحلت الرأسمالية التي عاملت الرجل كأنه آلة، وعاملت المرأة وكأنها جسد مجرد، ثار بعض الصادقون وقامت الحركات الأصولية، والتي تطالب بالرجوع إلى نصوص تاريخية، دينية كانت أو فكرية، واجترارها إلى الحاضر. ووقعت تلك الحركات الأصولية في خطأ كونها ردة فعل، فحررت الرجل والمرأة من النظام الرأسمالي، ولكن تفكيرها في الرجل ما زال يجعله في دور الآلة، ويجعل المرأة في دور الجسد المجرد.
أعتقد بأننا نحتاج إلى انفصال تام عن أفكارنا الماضية إن أردنا خلق أفكار جديدة، نحتاج إلى فترة هدوء نسترجع فيها عقولنا من الأفكار الشمولية، نحتاج إلى خلق فكر جديد، وليس مجرد أفكار قائمة على ذات الفكر القديم. نحتاج إلى عقل هادئ يقرر مبادئه الأساسية وأفكاره الرئيسة وتشعباتها بعيدًا عن الفكر الماضي، وإن استخدم بعض الأفكار.

خاطرة مبعثرة (٠٧) ؛ عرِّف بنفسك

قرأت مرة كلمة للدكتور فيليب ماكجرو يقول فيها بأنه يستغرب من تعريف الناس لأنفسهم بوظائفهم، ويعتقد بأن هذا يدل على عدم معرفتهم بأنفسهم. يقول بأن الكل يذكر وظيفته مباشرة تمامًا بعد ذكره لاسمه، وكأن وظائفنا المجتمعية أضحت جزءًا مهمًا لا يتجزأ من ذواتنا.
فعليًا ؛ فكرت كثيرًا في تعريفي لنفسي، وكلمة الدكتور ماكجرو السابق ذكرها جعلتني أتجنب تعريف نفسي بأنني طالب هندسة صناعية، وأحيانًا عدم ذكر ذلك. وبحكم أنني لا أعتقد بأنه من اللائق تعريفنا أنفسنا بما لم يكن لنا فيه اختيار، كالعرق واللون والحالة الاجتماعية، فقناعتي هذه زادت بأن جعلتني أتجنب أيضًا مزيدًا من تفاصيل حياتي الشخصية في تعريفي لنفسي.
أذكر بأنني في قراءتي لرواية خوزيه ساراماغو (قصة حصار لشبونة) بأنه قال بلسان الشخصية الرئيسية أنه يكره أن يناديه الناس باسمه الأخير، لأنه لا يعني له الكثير، وإنما اسمه الأول هو الذي يمثله وينطق بلسانه غالبًا. وأعتقد بأن فكرته أعجبتني لدرجة أصبحت مقلقة لتعريفي نفسي، فقد سلبت مني حتى اسمي الأخير الذي لا أعرف عنه وعن تفاصيله وتاريخه الكثير، ولم أهتم به كثيرًا أصلًا.
في أحد المرات كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء عن عجز الكلمة في وصفها للمشاعر والمعنى، فأجابني بأن كلامي يبدو غريبًا خاصة وأنه ناتج عن “كاتب”. في يومٍ آخر وجدت أحدهم يقدمني لآخر بأنني “مدوّن وكاتب مقالات”. وقبل أيامٍ استوقفني شخص عرفّني بأنني “أديب مستقبلي” وصديق آخر قام بتعريفي متهكمًا مرة بأنني “أديب يتنكر بشكل مفكر”. كل هذه التعريفات وإن بدت قريبة مني للحظة فإنها تبدو ظالمة أوقات كثيرة، لا لعدم اقتناعي بما أفعل، وإنما لأنني لا أعتقد بجواز تعريف الآخرين بحسب أعمالهم، فأعمالنا وأفكارنا هي مجرد لحظات تابعة لفترتها الزمنية قد لا تمثلنا في تاريخ آخر، وقد لا تبدو حتى منطقية بالشكل الذي فهمناه للآخرين الذين لم يعرفوا كامل التفاصيل، فضلًا عن أفعالنا اليومية وأفكارنا قد تختلف بشكل جذري في ليلة وضحاها.
لا أعرف فعليًا ماذا تبقى لنا لنعرّف أنفسنا، ولكن يبدو لي بأنني سأطالب الجميع بعدم تعريفهم لي، وعدم سؤالي عن تعريفي لنفسي. وحتى أصل إلى جواب مقنع أعتقد بأنني سأعرف نفسي كل لحظة بتعريف مختلف، تنقشه أفكاري ومزاجاتي اللحظية .. مالم أنسل من مطالبة تعريف نفسي للآخرين.