لوحة رحمة

دائماً ما كان الضيق يخالجه في مشيته بالطريق, دائماً ما كان يتضايق من تلك المدنية التي انتشرت بطريقتها التي لا تبقي على شيء ليعترضها, دائماً ما كان يتضايق منها ويراها سرقته نشوة حريته, بقتلها لجمال الحياة ورونقها من حوله

لا تلوموه .. فقد منعت تلك البنيان نسمات الهواء التي اعتاد على مداعبتها لوجهه, ولم تجد تلك الحياة الطبيعية التي اعتاد عليها مكاناً بين تلك البنايات المنتشرة, بل واختفت تلك الكائنات الحية التي تزين المكان, واختبأت من ذلك العمران في إحدى الزوايا المظلمة.

صحيح بأننا كتبنا لأنفسنا حياةً أفضل وأسهل بمدنيتنا, إلا أننا قتلنا الحياة من حولنا كما أرى !

أنا أكتب هنا لأنني أتألم لمنظر قطٍ تشرد فاختبأ بين قمائم مدينتنا, لأنني أتألم لمنظر قطٍ جائعٍ ينادي رحمة كل إنسان يصادفه في طريقه, لأني أتألم لمنظر هريرة تتحسس أمها بغير استيعاب بأن سيارةً دهستها وكتبت نهاية عمرها .. وأتألم حين ألاحظ التكرار اليومي لمثل هذه المواقف وأبشع ..!

 أنا أكتب هذه الكلمات لأنني أعتقد بأن الإنسان مسؤول عن هذه الأرض, عن تطويرها وعن تكييف بقية الكائنات مع ذلك التطوير.

أنا أكتب اليوم علّ كلماتي تلامس أحدهم, ليدشن على الواقع فكرة من إبداعه, يرسم بها بعض الرحمة في شوارعنا, ويكتب نهاية لهذه الفوضى التي نعيش, لتكتسب أيامنا لوناً أكثر رفقاً وإنسانية.

قصة رمزية [ شروط النهضة : مالك بن نبي ]

لقد حانت الساعة التي ينساب فيها شعاع الفجر الشاحب بين نجوم الشرق

وكل من سيستيقظ بدأ يتحرك وينتفض في خدر النوم وملابسه الرثة

ستشرق شمس المثالية على كفاحك الذي استأنفته هناك في السهل, حيث المدينة التي نامت منذ أمس ما زالت مخدرة

ستحمل إشعاعات الصباح الجديد ظل جهدك المبارك, في السهل الذي تبذر فيه .. بعيدا عن خطواتك

وسيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي تنثرها بداك .. بعيدا عن ظلك

ابذر أخي الزارع. من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك, في الخطوط التي تتناءى عنك .. في عمق المستقبل

هاهي بعض الأصوات تهتف ؛ الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة, وأنت منقلب إلى كفاحك الصباحي . وهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم , سيلتئم شملهم معك بعد حين

غنّ أخي الزارع ! لكي تهتدي بصوتك هذه الخطوات التي جاءت في عتمة الفجر, نحو الخط الذي يأتي من بعيد

وليدوّ غناؤك البهيج, كما دوّى من قبل غناء الأنبياء في فجر آخر, في الساعات التي ولدت فيها الحضارات

وليملأ غناؤك أسماع الدنيا , أعنف وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة التي قامت هنالك

هاهم أولاء ينصبون الآن على باب المدينة التي تستيقظ , السوق وملاهيه , لكي يميلوا هؤلاء الذين جاؤوا على إثرك , ويلهوهم عن ندائك

وهاهم ألاء قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرجين والبهلوانات , لكي تغطي الضجة على نبرات صوتك

وهاهم أولاء قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا ضوء النهار , ولكي يطمسوا بالظلام شبحك في السهل الذي أنت ذاهب إليه

وهاهم أولاء قد جملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة

ولكن شمس المثالية ستتابع سيرها دون تراجع , وستعلن قريبا انتصار الفكرة وانهيار الأصنام , كما حدث يوم تحطم هُبَل في الكعبة