مجاز


لا مساحة لشجرة في أرضها، بعدما سُممت التربة.

لا مكانة لامرئ في موطنه، بعدما ابتُدعت الغربة.

ولأن الرؤى، حدائق رحابة، حرُم الرقاد على الحالمين.

هي البلاد، تضيق بنا، يُضحي فيها المنام ذكرى مريرة.

عن اضمحلال أمنية صغرى، كالتبسّم رضى، والبسيط من الحياة.

عن استحالة أمنية كبرى، كالالتقاء حرية، بالمسرفين في المجاز.

حزينٌ، أطلق أنجمي إلى السماء عارية،

تستهجن الطفولة: “لمَ روحك هادئة؟”

هي البلاد، تضيق بنا، يغدو فيها الخيال دمعة كسيرة.

يحارُ، هنا، شاعرٌ؛ أيبكي ضياعًا في الألم،

أم يضحك، سخرية، من اعتياده الندم؟

في مرفأٍ، إذ يجسّ القمر، نبضًا للبحر، يُشهد هاربًا.

في مخبزٍ، أقيم على نعش هويته الخفيفة، يُشهد هاربًا.

إذ تناسى انعكاس صورته، المختبئة عن وطن مشبوه.

أنَّما ساقتك الخُطى، على أشلاء الطُهر تسير.

أنًّما تاه بك البصير، احترقت البصيرة.

هي البلاد تضيق عن كل قافيةٍ، خُطّ معناها على غير رسالة انتحار.

وفي الأفق، ناقوسٌ يئن الليالي، في صوت قاتم،

يُعرف لمن سمعه،

يُصف بمن عرفه،

شاعرًا، بلا وطن.


 

ضياء

25924433233_a2456303a5_b

حمَلت على كتفيك أجساد الراحلين،

مثقلةٌ، هي روحك، من وقع التاريخ،

شهيدٌ، هو ضميرك، وخطيئته الهوية.

تربّت على ساعديك، مشرق كل صبيحة، مطمئنًا،

علّ المغيب يشهد رقصتك الغجرية.

بين أوراقٍ، وأزهار، لم تجد مكانة في قافيتك الأخيرة.

أنت، الآن، تجرّ الخُطى، هونًا، تحت أنقاض الآفلين،

مستيقنٌ، بما سيجمد في صدرك؛ كل شيء، ما كان يكافح منك، ويسافر؛

الصوت الحزين، شعيرات حالكات، والسلام في مقلتيك!

ويبقى الذنب بين جنبيك، يُنسيك بأن ارتفعت، فوقك، سماء.

فأدِم التبصّر في باطن الشمس، ترَ بقايا ذاتك المسلوبة،

وحاول، حينًا، القبض على ذكرى متلاشية، قبيل الغياب.

تنبّأ طالعي القديم بأننا لن نعيش طويلًا،

لن نبعث بليلاء مقمرة، ولا مغيمة،

فلم نوجد، ابتداءً، من رحم ياسمينة.

وإن كان القلب موطنًا سمحًا، فلم ينبض غير منتفض من وجع.

راكضًا، وراء ضيٍّ، بالأفق، نجمة، حلُم بأن يبعثر بين كفيها نصف تحية.

ليرجع الصدأ، بين جنبيه، ذهبًا، أو علّ سحرًا، يصيّره شبه أغنية.

سُكبت، في الطريق، مكنوزات روحه، ولم يُعط شدّة، يرقى بها تلّة.

غريبٌ، ألا تصمد نجمة مضوية، أكثر من شعلتي الصغيرة.

مستهجنٌ، ألا يسكن نبضٌ، لم يبدِ خوفًا، ولا شكوى،

إذ التحف، بالمساء، خيبته، بلا نحيب، أو نداء،

متطاولًا، متعذبًا، لا يُخضب بنانه، بخيالات أمنية،

ولا سراب أيام عادية!

لعنة سيزيف

sisyphus_repainted_by_humblestudent-d38vszp

كل أرضٍ لا تحتويك فردًا،

تهمس قرارةً عن قدرك المشؤوم من الوحدة.

فالجأ إلى أبجديةٍ، تخلقها،

تكنُّ بها ضمائرًا، لا تبطلها ترهات اللغات والنحائين.

معتصمًا بليلٍ، حجرٍ، وشجرة برية.

فقاوم، دون وقوفك على ذاتك تنسلُّ بين أناملك،

وقاوم، دون تبدد العمر لا تعي فيمَ.


هذه الحياة مدينةٌ لنا باعتذارٍ،

عن كل التنازلات التي غضضنا برضاها،

مصيّرة خلاصتنا انتفاضة،

وترميم بعضنا كيفما ننكسر،

وعلى رُهابنا، إذا ما أفلتت بوحشيتها،

شيطانًا متوغلًا  في جنونه،

أو تاه فهمنا، وحِرنا في السبيل.


أما أنا، يا صديقي، مسافرٌ في عذاباتي،

لأجل أن تتحقق أسوأ نبوءاتي.

أساير الطريقة، علّ الطريق يعطف على خاتمه.

أنا هنا، يا صديقي، سيزيف مستحلًا  من مطلقه،

مستترًا بخوف وحزن في لكنته الاعتيادية.


كل استنطاق للظل، صياغة أخرى للعدم مسرحية،

متمنيًا بأن تطلّ فيها تجليات للهوية.

فقيرٌ إلا من يأسي، وتراكمات بشاعة، وتكسّرات فوضوية.

قد ذابت قبلًا  غربتي من ثقل الواقع،

فاستحلّ زيفٌ، مسترضيًا، ناحتًا فوق وجهي ملامحًا طينيّة.

لا زلت أفتش عن غربتي المفقودة،

تعيد إليّ شيء من خفتي، وانكساري، ومني.

مشتاق إلى مدينةٍ، كُتبت على أسوارها قصائدًا، وفي إثرها خيبة.


أنا، يا صديقي، معتلٌّ بأسمائي، وقد غضبَت بنانها من أحشائي.

أنا، يا صديقي، مثقل ببصيرتي، وقد زلّ الدرب عن خطواتي.

لم يبقَ فيّ سوى هاربٌ أهوج، يقصد بردًا، وضوءًا وريحا عتيّة.

مخبئًا مأثورًا تفتت نفسه من كل أجزائه.

أنا، يا صديقًا، شقيٌّ ببقيتي، عجز الكتاب أن يضمّني في حكاياته.

مسيرة هوية

مسيرة هوية


“قف مثلي لِتُشبهني”،

يقول المنحوت من صخرٍ،

“لا الجوع، ولا الجمود،

ولا اختلال الوقوف يثنيني!”.

فأتبع السكون قُباله دهرًا، وأنصرف.

ينادي بالأسى وداعه:

“قد ألِفت الرحيل، أيا رفيقًا،

وائتلفت التَرك،

فلن تجد وجهًا للهوية”.


“سِر خلفي لتشبهني”،

يقول مسافرٌ على عجلٍ،

“لا التيه، ولا الحريق،

ولا انعدام المصير يثنيني!”.

فأكلُم على الطريق خطواته لوحةً،

نقشَ وثبِ إنسٍ مرمِيّة.

“قد انتحرت البوصلة، أيا رفيقًا،

وذابت الوجهات،

فلن تجد اسمًا للهوية”.


“مُت جنبي لتشبهني”،

يقول المنسيُّ في قبرٍ،

“لا النوح، ولا الدموع،

ولا أنين الشواهد يُنسيني،

أنا الهوية”.

فأحيد للأفق طريقتي،

أنا، وشبحي، وظلٌّ في الدرب يُسليني،

ولا يُشبهني!


مكنونة هي ثورتي، وانتفاضتي،

شهدٌ، تذكرني في كوب شاي لا يعنيني.

فلا ضير، أيا صديقي،

إن التفظتنا مجامع الوجوه،

سنكتب على الهوامش أصل الحكاية،

لحنًا، وحِسًا، وكنايات معانٍ مرويَّة.

شبحي، أحمله، نصًا أبدي،

وظلي في الخطى وطنٌ يحميني،

ولا يُشبهني!

صدى

forrest-wallpaper

أطلّت حكيمة من خلف النسيان، وقالت: “من السهل كتابة الأحزان، الأعظم أن تكتب نصًا راقصًا”.


يُؤثر للحظات الجميلات أن تُعاش، بكل تفاصيلها. فكلما ارتميت في قلب الفرح، تغاضيت عمدًا عمّا ينهش روحك. فالسعادة سرقةٌ من جُبِّ القدر، هكذا كانت، وهكذا ستكون.

طُبع في الأيام أنك لا تختبئ من حزنك إلا التقاك، وإن التهيت عنه بملاحقة سراب تدعوه السعادة. وهكذا ترفض حقيقةً بأن الأخيرة طارئة عليك، والأخرى ذاتك أنت. إن أحسنت استقبالها وَجدْتَك. كُتب في الألواح؛ محاولة نفي دائمة للأتراح، لئلا تتراكم عليك فتكسرك، لا تعود بعدها كما كنت، غافلًا  عن استيعابها.

حاول أن تفكك مشاعرك باستمرار، واستقرئ أيُّها أصيل فيك، وأيها دخيل الصدفة الظرفية، محتمل التقلّب في سياق آخر. ستجد في قرارتك شعورٌ مستيطن، بأن السعادة لك حق، يستفزك تهديده، كما تغضب لسرقته؛ شعورٌ ببراءتك من الحَزن.

وتلك خديعة الأمنيات والأحاكي الشعبية، تشابه بعضها سردًا، تُختتم بعبارة متفائلة، تهمس في مسمعك زورًا أن النبل سيكتبها.

طعم الحياد في أرض المشاعر لم يكن يومًا مستساغًا. لذا نفتّش عن سعادة طارئة، نتشدق بها لما استذذناها. وكأننا قبضنا عليها بين كفّينا، مرددين كلماتٍ من الأمل كذبًا، فنؤمن بأنها خلاص الطريق.

ما كتب الأقدمون أقاصيصًا محايدة، حرَّفوا الحياة وجعلوا للنهايات عرشًا زائفًا، وصرخوا بأنها حالة أبدية. لكن القدر ما خبّأ أميرة ولا جنيّة سحرية. فانزل من وهمك واحتضن تربتك، فمنها يبتدئ المسير.

أن تتفاءل، أن تتغافل، وكأنك غير مدرك لمُصابك، ولا مؤهل للإبصار. لم يتبسم واقعًا قط، لكن لا تبتئس. يقول صبيٌ في غاباتك: “انحت ثورتك، وأعطِ لرفضك صوتًا، وسأكون لكلماتك الصدى”.

أوراق الياسمين

Cool-Lonely-Wallpaper-Boat-Image-Fog-Picture

كما جئت العالم وحدك أول مرة، ستمضي وحيدًا.

لا ظلال من السماء تؤويك إن غضبت الشمس. إن هو إلا مسيرُ طير السنونو وحده، والرِّيح تحمل أوراق الياسمين. فاحم رأسك بيديك، أو احمها بظهرك، فأنت تستحدث وطنًا لك وحدك.

كما جئت العالم وحدك أول مرة، ستمضي وحيدًا.

لا تدبرُ الغربة عن بشرٍ، إن لامسته بادئ الأمر. فمتى استيطنت، مسخَت فؤاده مرتعها، يستلذذ دمَ الخيبة خمرًا.

لا القُبلة تشابه الأخرى، ولا أسىً يناسخ ذاته، لا يتكرر الحريق، ولا الانفجار.

فاحتضن غربتك متى أقبلت، وقبّلها كما قبّلتها أول القصيدة، وإن كان لشفاهها مذاق دمعِك ودمِك. واقتطِع بين القوافي لها عبارة، لا تحبس الأنفاس عن موعد الذبول.

ماذا نقول؟ وللقلب المكفهرِّ الكهول؟

فانتظرها متى غفَت، وغنِّ لها بين جموع المتناسين. لكل الأمنيات في سواها خيبة ترقبٍ وأُفول.

وانتظرها، وإن تنكرّت للمغنى والقافية. وانتظرها، تتبع كل فرحة بميعادٍ للوصول.

ماذا نقول؟ والأغنيات شحيحات في الحقول؟

سيكبُر حزنك يا صديقي، أعوامًا، أعوام،

ستنعي خطاك الشجر أوراقًا، أوراق،

وتبقى حزينًا، لا قلبٌ يواسيك.

وتبقى وحيدًا، لا كفٌّ يُسلِيك.

فآلِف حزنك، ودلل نَسلك اليتيم.

كما جئت العالم وحدك أول مرة، سأمضي وحيدًا.

لم يزل قلبي يسمعكِ، حنينًا، أنينًا، وشكوى.

لم يزل الدمع يلتهفكِ، خطىً متلهفةً للنجوى.

ما زال اسمكِ مَبهجًا، ورِمشكِ مقصدًا، وأمنية بأن في عينيكِ كل ما يستحق الحياة.

حلم

Surreal-Loneliness-Scene-in-Photoshop
في البدء كانت الابتسامة، من شفتيكِ أنتِ. ثم ازدانت الأرض مروجًا وأشجارًا، وآلهة وكلمة.
في البدء كنتِ أنتِ، جميلة متأنقة كما عهدتكِ، مثلما أراكِ، في الغفو وفي الصحو، بين التل والنجمة.
كانت السماء مُعسرة، تتكدس على أبوابها رجاءات إنسٍ يائسة، وأمانٍ، وصدىً لأمٍ غجرية.
كانت الأكف مبسوطة، لم تعرف ماهيّة أن تقبض، أو تدفن كنزًا في شقوق الراحة المنسيّة.
كانت الشمس حاكمةٌ، آمرةٌ وناهية، تستبد عن إرادة بحياتنا، تتساخر كِبرًا بأمنيتنا، تهدد بالظمأ كيفما شاءت، وتهبنا شيئًا من كرامتنا متى شاءت.
كانت لمدينتنا شواطئ رحمة لامعة. كان الموج يسمعنا، يحادثنا بأغنياتٍ وأحجياتِ عجوزٍ سارحة. تضحي الشمس بقربها أضحوكة، ومتعة بشر ترفيّة.
كانت الليالي مقمرة، وكنت يافعًا تسكنني أسطورة أن السعادة لا يحوزها من لا يحصي النجمات الفضيّة.
أحلمُ بصبيٍّ يقطف وردة لصديقةٍ من أنقاض حربٍ وحشية. 
أحلم بصبيٍّ، يطبعُ قُبلته على الحجر، والمطر، وعلى أناملها العاجية.
حالمًا، يشدني طيفكِ إلى زهو السهو، وحكايات بدايات الكون وبدء المعنى، أشجانًا، ألحانًا، ومغنى.
حالمًا، تكبني الأشواق إلى صدغينكِ، قُبلةً وقِبلةً، نطرد الأحزان، عند وقع البُعادِ، واستحالة المدنى.
فالعين لؤلؤة، والقلب خمارة، تعتصر حنو القمر على البحر والمرجان.
والجفن ليلكة، من أرض زهر، منبت عِنب ورمّان.
سرابية، محالة العهد بالخطو، عصيّة الوصل كالغيم، للأسف.
وتقلُّب أبراج سماوية عن مدارها، والبصر إذا عن بهاؤك انحرف.
أيا زلاليّة الخطوات، ما حيلة المشتاق إلى عبيركِ فائحًا وردة بين ثنايا القميص وعلى الجبين؟
أيا بُياتيّة الأنفاس، حجازية الطرَفات، ألا حنانًا يبدد وحشة كفّينٍ جامدتين!
أن أكون وحيدًا حيث ارتوت الطرقات من أمطارك، فهذا معنىً للوجع.
ألا أشفى من حنين معتّق، نضب اصطبارًا عند بابكِ، فهذا معنىً آخر للوجع.
أحلمٌ بصبيٍّ يسرح هنيّة في أحاديث صديقةٍ، بضواحي وطنٍ مزويّة.
أحلمُ بصبيٍّ، يلثم ثغر طيفٍ، ونسمة صيفٍ، وأحاديث حبٍّ رمزية.
أن أكون حِدادًا في جموع المحتفين فهذا معنىً للوحشة.
ألا تستوعبك أيامي، فينقًا وفتنةً فهذا معنىً آخر للوحشة.
كان بالمسرحية مشتاق، لاحقته جيوش المارد إلى شطآن الحدود.
فضرب البحر بعصاه فانفجرَت، وبقي البحر الجلمود.
لم تتحين الليالي تجليات أقمار، فكنت بذكرى أغنياتك أترنم.
لم تتبدل السماوات طوعًا لشاعر، فكنت بأحلام لقياك أتكلم.
أحلمُ بالقهوة تنتظركِ، والبصر يختزلكِ، والخصر تبتغي أذرعًا تحتضنكِ.
أحلم بشعركِ الليلي، وعقدكِ القرمزي، ووجنتا أخيلٍ تتورد تخجلكِ.
أيا سليلة الأمواج، ثوري، نتوارى في كهفكِ المنشود عند النهر والقناة.
أيا سريرة الأشعار، قومي، ننحت بالجدران أن بفضائكِ كل ما يستحق الحياة.
سألتكِ بالذي أودع فيكِ سر الأكوان كاملةً، أن راقصيني على النار، نبعث من الرقاد أسطورة ولَه منسية.
سألتك بالذي كلّم جراح عاشق نائمة، أن شدي إليكِ حبل الوصال، تتفجر الشمس، وتتساقط الغيوم تذيب أثر حرب وحشية.

أغنية

 

وُلدنا هَهُنا، لكنا وُجدنا منذ الأزل ؛ وحيدون، هائمون وفرِحون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد من حديقة الله المزهرة، منقوشٌ  بأيامه سماء ونجوم.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نكنز بالقلب أمنياتٍ  وسحرًا ودُنى.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نرتق للدهر ألحانًا وشعرًا وغُنى.
لا نكذب عمّا كان، ولا نأمل بما سيكون، وههنا نصارع الأقدار علّها تنصاع حينًا للمُنى.
لأن يتناسى التاريخ دفاتره يومًا، وألا يتبدل كلما ارتُكبت على الأرض خطيّة.
وأن ينصت الكون للقافيةِ حبًا ولأغنية، فيتركنا وقوفًا نموت ونحيى.

ههنا، في المعيشة الطارئة والسياقات العارضة، نحيا.

كأغنية شعبية تخلق الرمزية بلا خناق، مشبعة بالمعنى.
نقيم حدادنا سبعين عامًا على ما خسرناه وانكسر من كل أمنية.
نعتِّق طفولتنا القديمة العذبة، ونشربها على الأرق في الليالي العصيّة.
نرتقب الدمعة كلّما اختلطت بالنجمة، علّها تخلق لنا من السماء جنيّة.
ما زال بالقلب أمنية، وكائنات أسطورية، وبعض عُصٍ  سحرية.
ما زال بالقلب أميرةٌ، وسُحب سارحة، وكنوز، وبحيرة خلود خفيّة.

ههنا، بين ثقل الوجود الشقي ورِقّة الهروب الأبيّ، نحيا.

نسافر أحيانًا، ونبيت أحيانًا، على أمل الوقوع على هوية.
نحن في سِفر الحياديين أنشودة، وأهازيج أفراح شعبية.
لا نحتكر الشعارات، ولا نرى صورتنا في النبوع الوطنية.

الآن،

نحن الآن نتضاحك بأعلى أصواتنا، لأن الحياة بدت حقيقية.
نحن الآن نتساخر في سرائرنا، لأن الناس انقسمت بين إله أو ضحية.
نحن الآن ننسج الهنيّة نكاتنا، ونحيكها بالأحزان، ونحلم.
نحن الآن نجافي الكآبة بدندنتنا، ونهرب إلى الخفاء، نتبسم.

ما زلنا هنا،

لا تشيخ الأمنية .. ما دمنا عامري صداقةً في الصدور الفتية.

لا تموت الأغنية .. ما دمنا عاشقي أصالةً من القلوب النديّة.

غنائيون، عاطفيون، حالمون.
ولا نسأل من نحن .. ما دامت وحدتنا جميعٌ، فلسنا فرادى.
ولا نسأل من نحن .. ما بقينا هناك وهنا، وللطُّهر إذا تنادى.

ههنا، بين جموع المنسيين، وأعين المختفين، نحيا.

هذا السياق العدميّ، ليس منا.
وهذا الرصيف الدمويّ، ليس منا.
وهذا المصير الأزليّ، ليس منا.
وُلدنا ههنا، لكنا كنا منذ الأزل، بلا أفقٍ  أو سجون .. غنائيون، عاطفيون، حالمون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد إلى أغنية الفيروز المورقة، منقوشٌ  بألحانها طيرًا وسكون.

خيبة

Hopeless-4fd5b14b0d0f2
كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الرهبان على صُلبان الألمِ، والشكِّ، واليأس.
وأنا أسير صليب مجتث يترك آثارًا لغيري، علّها يومًا تنهي مسيرة هروب !
كل الأرواح متسمّرة على خُشُب من ظلام، وكذبات تاريخ يتملّق الطغاة السافِحين.
لعنة، وألف قيد .. ماض يلعن المستقبل، ولحظات تهدم ساعات، والمسير الطويل يتوه بخطوة.
وكل مفترق طريق يُستَنطق جهالَة، وكل محاولة انفكاك تسخر منها الاستحالة.
والإعصار العبثي يلتهم كل أمل فينا، يلتهم خرائطنا ويلفظها وجعًا للمصير.
إلام مصيرنا المشؤوم هذا، الذي انعدمت فيه اختياراتنا وأُقسرنا على كل ما فيه؟
وكيف سنختار مسيرتنا قبل أن تحدد فيه خياراتنا؟
كيفما ستتبين خياراتنا ما لم يكن لنا باع من تجربة؟
كل الأزمنة والأمكنة مُشرَّعة أمام ناظريك، لكنك لا تختار، غير ممكن هو الاختيار.
كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حُطام، كل الجثث ألمٌ، وشكٌ، ويأس.
لا تقف على أحزانك، فأرضك دوّارة، وأنت مرغم على كِلا الجري والدوران.
لا تقف، لا تبصر حالتك، لا تدرك ذاتك، وأغمض جفنيك عن سيطرة السياق والخناق.
لا تنظر إلى أمسِك، شقاؤك هموم يكتنزها غدُك.
ولا تنظر أين تسقط أقدامك، واخضع لعبودية أحكمتها عليك العصور .. عبودية الاندفاع !
نقطة نور، هو كل ما يلزم البشرية لتَحسِب الدنيا ضياء.
قطرة ماء، هي كل ما يلزمهم ليظنوا بأنهم مُشاة على البحار.
الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيِّف بالأمل، وكل ما بأيديهم رغبةٌ واندفاع.
ألف قطرة تحفرِ صخرة، لكنها لا تقتل البحر.
ألف خطوة تقطع ميلًا، لكنها لن تنتهي إلى القمر.
الكل يريد، الكل يتمنى، الكل يزيف بالأمل.
ينشرون قصصًا رخيصة تنتهي بالتقاء عشيقين، وأغان تزف الزيف مجدًا رخوًا.
وقواف منظومات يحتَضِن شاعرها وصورته على النهر، تطقطق في نيرانها صرخات الساذجين.
طقطقة أمل بقبلة أبدية، أمنية حب لا ينتهي، ورغبة بالعناق الأبدي.
كل نيشان ثقيلٍ على صدر الحب يفتت أقدامه أكثر، فأكثر.
كذبات أخريات تشبعت بها أيامنا، كذبات أخريات تكررت لتحضُر وتكون.
كل ما يتعالى على الأزمنة، ينال عرشًا بالأفئدة. والكل ينتحر بعيدًا عن كل العصور.
كل معابد الروح رماد، كل مقدساتها حطام، تعلوها جثث ألمٍ، وشكٍ، ويأس.
كل من يكترث بالموتى لم يرفع كلمتَه على المِقصَلة، كل من يهاب الموت لم يقطع حبلَ المشنقة.
الإنس تفرقهم أيامهم، تجمعهم مصائب بعضهم، والهلع في أعينهم يسقيهِ خوفهم من أسطورة المصائب أنها مُعدِية.
لا تحزن، لا تبتسم، لا تيأس، واحم جنونك بسور عن أعينهم، واختبئ أنت وراءَ الأقنعة.
كل من تغنى بضياء القمر لم يحفل يومًا بظلمته المختَفِيَة.
لا تحزن، إذا ما رفضك الجميع، وأحبوا أقنعتك. يكفيك أنك لم تزل قبطانًا من خلف الأشرِعة.
لا تبتسم، إذا ما جفت أدمعك، واستحضنتها الأتربة. وشيّعها مسيرة كفاح ولَهَا أجنحة.
لا تيأس، سنطفئ نيرانهم بدمائنا، وستنبت من مُقلتينا في مدينتهم ألف زهرة.
ولا تهتم، ولا تكترث إذا ما خانتك القدود السمهرية، واتّقتك الخُطى الأكتوبرية.
أتمنى فقط أن تتغير السماء، وتتبدل الأرض، وأن تنطفئ النجوم.
يا مرنمًا بأطهر الصلوات،
يا شاعرًا،
ويا قلبًا من أغنيات،
يكفيك أن صدرك لم يزل فضاءً حيًا، ألحانك فيه طير سرمدية.

حياة

candle light background

 

سأوقد شمعة عن كل حلمٍ انكسر، حتى يحترق عالمهم بمعنى الخيبة والألم.
وسأنحت رسمًا على العدم، وعلى ما كان، وما استحال، وما قُدِّر له أن يكون.
وأبدد ظلمات الكون بقبسٍ من خلود، تطقطق بها أنغام شوقٍ وتراتيلٍ ووعود.
لياليهم تراكمات تاريخ وتابوهات وآثام، تبتلع أرواحنا وطفولتنا لتغيب عنها الشمس.
وفعل الحياة فعلٌ من مقاومة.
فنادي بجيوشهم على باب مغارتنا، بأننا نثقب في جبالهم ألف منفذ للحياة. وستغدو طرقاتنا وَضحًا من نهار، تبرق فوق دروعهم عواصفًا ورعود. وليتوهّج قلبك الفضيّ، واخلعي عنه سجن صدرك، نحن أرواح لا تعترف بخطٍ زمني، ولا بقيود المسافة ولا الوجود .. نحن أنوار سماوية خارجة عن كل هذه الحدود.
لاشيء منا هنا.
لا ننتمي نحن إلى تراكماتهم هذه، لا التاريخ لنا، ولا الآثام منا، ولا تابوهاتهم تمنعنا .. لا شيء منا هنا.
لن نلتقي رمادًا أسفل جحيمهم، لن نتآكل كسنواتٍ من بدع، ولا مزاميرنا ستستيغ الوجع.
لا شيء لنا هنا، ولا يعجبنا من دَركاتهم شيء.
كوني ثوْرة كبرياء، كوني سؤالًا من حنين، كوني قطرة فجرٍ سخية.
كجملة رفض على كل الأركان، فلا يستعبد الموت إلا من يرتجي منه الصفاء.
كقصيدة حب ممتدة على أسوار المدينة، لا تحتبس بعدها أشواقنا ولا يتعذر النعيم.
كورقة تَخضَر في كل خريف .. حسبكِ أنك عاشقة، وحياة العاشقين أولها خلود.
عمرنا نحن ساعةُ عناق.
لهفة حياة وتمرد واشتياق.
أجراس حسٍّ وحبٍّ وضمير، وغابة تفجرت عن يابس السياق.
عمرنا نحن ساعةٌ من عناق.
جَدولٌ من أغنيات وأوتار وسجود.
كلما ترنمنا بها ازدان الوجود صلاة وورود.
وأنتِ الحقيقة .. يا قِبلة السماء، وأمان النيريد.
شفتيكِ سُكْر هوىً، وأنفاس هُيامٍ، واختلاجات قلبٍ للجنون.
عيناكِ بصيصُ وطن لا يموت.
عيناكِ زُخرف إيمانٍ من أغاني أطهر الفيروز ببيروت.