مجاز


لا مساحة لشجرة في أرضها، بعدما سُممت التربة.

لا مكانة لامرئ في موطنه، بعدما ابتُدعت الغربة.

ولأن الرؤى، حدائق رحابة، حرُم الرقاد على الحالمين.

هي البلاد، تضيق بنا، يُضحي فيها المنام ذكرى مريرة.

عن اضمحلال أمنية صغرى، كالتبسّم رضى، والبسيط من الحياة.

عن استحالة أمنية كبرى، كالالتقاء حرية، بالمسرفين في المجاز.

حزينٌ، أطلق أنجمي إلى السماء عارية،

تستهجن الطفولة: “لمَ روحك هادئة؟”

هي البلاد، تضيق بنا، يغدو فيها الخيال دمعة كسيرة.

يحارُ، هنا، شاعرٌ؛ أيبكي ضياعًا في الألم،

أم يضحك، سخرية، من اعتياده الندم؟

في مرفأٍ، إذ يجسّ القمر، نبضًا للبحر، يُشهد هاربًا.

في مخبزٍ، أقيم على نعش هويته الخفيفة، يُشهد هاربًا.

إذ تناسى انعكاس صورته، المختبئة عن وطن مشبوه.

أنَّما ساقتك الخُطى، على أشلاء الطُهر تسير.

أنًّما تاه بك البصير، احترقت البصيرة.

هي البلاد تضيق عن كل قافيةٍ، خُطّ معناها على غير رسالة انتحار.

وفي الأفق، ناقوسٌ يئن الليالي، في صوت قاتم،

يُعرف لمن سمعه،

يُصف بمن عرفه،

شاعرًا، بلا وطن.


 

ضياء

25924433233_a2456303a5_b

حمَلت على كتفيك أجساد الراحلين،

مثقلةٌ، هي روحك، من وقع التاريخ،

شهيدٌ، هو ضميرك، وخطيئته الهوية.

تربّت على ساعديك، مشرق كل صبيحة، مطمئنًا،

علّ المغيب يشهد رقصتك الغجرية.

بين أوراقٍ، وأزهار، لم تجد مكانة في قافيتك الأخيرة.

أنت، الآن، تجرّ الخُطى، هونًا، تحت أنقاض الآفلين،

مستيقنٌ، بما سيجمد في صدرك؛ كل شيء، ما كان يكافح منك، ويسافر؛

الصوت الحزين، شعيرات حالكات، والسلام في مقلتيك!

ويبقى الذنب بين جنبيك، يُنسيك بأن ارتفعت، فوقك، سماء.

فأدِم التبصّر في باطن الشمس، ترَ بقايا ذاتك المسلوبة،

وحاول، حينًا، القبض على ذكرى متلاشية، قبيل الغياب.

تنبّأ طالعي القديم بأننا لن نعيش طويلًا،

لن نبعث بليلاء مقمرة، ولا مغيمة،

فلم نوجد، ابتداءً، من رحم ياسمينة.

وإن كان القلب موطنًا سمحًا، فلم ينبض غير منتفض من وجع.

راكضًا، وراء ضيٍّ، بالأفق، نجمة، حلُم بأن يبعثر بين كفيها نصف تحية.

ليرجع الصدأ، بين جنبيه، ذهبًا، أو علّ سحرًا، يصيّره شبه أغنية.

سُكبت، في الطريق، مكنوزات روحه، ولم يُعط شدّة، يرقى بها تلّة.

غريبٌ، ألا تصمد نجمة مضوية، أكثر من شعلتي الصغيرة.

مستهجنٌ، ألا يسكن نبضٌ، لم يبدِ خوفًا، ولا شكوى،

إذ التحف، بالمساء، خيبته، بلا نحيب، أو نداء،

متطاولًا، متعذبًا، لا يُخضب بنانه، بخيالات أمنية،

ولا سراب أيام عادية!

لعنة سيزيف

sisyphus_repainted_by_humblestudent-d38vszp

كل أرضٍ لا تحتويك فردًا،

تهمس قرارةً عن قدرك المشؤوم من الوحدة.

فالجأ إلى أبجديةٍ، تخلقها،

تكنُّ بها ضمائرًا، لا تبطلها ترهات اللغات والنحائين.

معتصمًا بليلٍ، حجرٍ، وشجرة برية.

فقاوم، دون وقوفك على ذاتك تنسلُّ بين أناملك،

وقاوم، دون تبدد العمر لا تعي فيمَ.


هذه الحياة مدينةٌ لنا باعتذارٍ،

عن كل التنازلات التي غضضنا برضاها،

مصيّرة خلاصتنا انتفاضة،

وترميم بعضنا كيفما ننكسر،

وعلى رُهابنا، إذا ما أفلتت بوحشيتها،

شيطانًا متوغلًا  في جنونه،

أو تاه فهمنا، وحِرنا في السبيل.


أما أنا، يا صديقي، مسافرٌ في عذاباتي،

لأجل أن تتحقق أسوأ نبوءاتي.

أساير الطريقة، علّ الطريق يعطف على خاتمه.

أنا هنا، يا صديقي، سيزيف مستحلًا  من مطلقه،

مستترًا بخوف وحزن في لكنته الاعتيادية.


كل استنطاق للظل، صياغة أخرى للعدم مسرحية،

متمنيًا بأن تطلّ فيها تجليات للهوية.

فقيرٌ إلا من يأسي، وتراكمات بشاعة، وتكسّرات فوضوية.

قد ذابت قبلًا  غربتي من ثقل الواقع،

فاستحلّ زيفٌ، مسترضيًا، ناحتًا فوق وجهي ملامحًا طينيّة.

لا زلت أفتش عن غربتي المفقودة،

تعيد إليّ شيء من خفتي، وانكساري، ومني.

مشتاق إلى مدينةٍ، كُتبت على أسوارها قصائدًا، وفي إثرها خيبة.


أنا، يا صديقي، معتلٌّ بأسمائي، وقد غضبَت بنانها من أحشائي.

أنا، يا صديقي، مثقل ببصيرتي، وقد زلّ الدرب عن خطواتي.

لم يبقَ فيّ سوى هاربٌ أهوج، يقصد بردًا، وضوءًا وريحا عتيّة.

مخبئًا مأثورًا تفتت نفسه من كل أجزائه.

أنا، يا صديقًا، شقيٌّ ببقيتي، عجز الكتاب أن يضمّني في حكاياته.

مسيرة هوية

مسيرة هوية


“قف مثلي لِتُشبهني”،

يقول المنحوت من صخرٍ،

“لا الجوع، ولا الجمود،

ولا اختلال الوقوف يثنيني!”.

فأتبع السكون قُباله دهرًا، وأنصرف.

ينادي بالأسى وداعه:

“قد ألِفت الرحيل، أيا رفيقًا،

وائتلفت التَرك،

فلن تجد وجهًا للهوية”.


“سِر خلفي لتشبهني”،

يقول مسافرٌ على عجلٍ،

“لا التيه، ولا الحريق،

ولا انعدام المصير يثنيني!”.

فأكلُم على الطريق خطواته لوحةً،

نقشَ وثبِ إنسٍ مرمِيّة.

“قد انتحرت البوصلة، أيا رفيقًا،

وذابت الوجهات،

فلن تجد اسمًا للهوية”.


“مُت جنبي لتشبهني”،

يقول المنسيُّ في قبرٍ،

“لا النوح، ولا الدموع،

ولا أنين الشواهد يُنسيني،

أنا الهوية”.

فأحيد للأفق طريقتي،

أنا، وشبحي، وظلٌّ في الدرب يُسليني،

ولا يُشبهني!


مكنونة هي ثورتي، وانتفاضتي،

شهدٌ، تذكرني في كوب شاي لا يعنيني.

فلا ضير، أيا صديقي،

إن التفظتنا مجامع الوجوه،

سنكتب على الهوامش أصل الحكاية،

لحنًا، وحِسًا، وكنايات معانٍ مرويَّة.

شبحي، أحمله، نصًا أبدي،

وظلي في الخطى وطنٌ يحميني،

ولا يُشبهني!

صدى

forrest-wallpaper

أطلّت حكيمة من خلف النسيان، وقالت: “من السهل كتابة الأحزان، الأعظم أن تكتب نصًا راقصًا”.


يُؤثر للحظات الجميلات أن تُعاش، بكل تفاصيلها. فكلما ارتميت في قلب الفرح، تغاضيت عمدًا عمّا ينهش روحك. فالسعادة سرقةٌ من جُبِّ القدر، هكذا كانت، وهكذا ستكون.

طُبع في الأيام أنك لا تختبئ من حزنك إلا التقاك، وإن التهيت عنه بملاحقة سراب تدعوه السعادة. وهكذا ترفض حقيقةً بأن الأخيرة طارئة عليك، والأخرى ذاتك أنت. إن أحسنت استقبالها وَجدْتَك. كُتب في الألواح؛ محاولة نفي دائمة للأتراح، لئلا تتراكم عليك فتكسرك، لا تعود بعدها كما كنت، غافلًا  عن استيعابها.

حاول أن تفكك مشاعرك باستمرار، واستقرئ أيُّها أصيل فيك، وأيها دخيل الصدفة الظرفية، محتمل التقلّب في سياق آخر. ستجد في قرارتك شعورٌ مستيطن، بأن السعادة لك حق، يستفزك تهديده، كما تغضب لسرقته؛ شعورٌ ببراءتك من الحَزن.

وتلك خديعة الأمنيات والأحاكي الشعبية، تشابه بعضها سردًا، تُختتم بعبارة متفائلة، تهمس في مسمعك زورًا أن النبل سيكتبها.

طعم الحياد في أرض المشاعر لم يكن يومًا مستساغًا. لذا نفتّش عن سعادة طارئة، نتشدق بها لما استذذناها. وكأننا قبضنا عليها بين كفّينا، مرددين كلماتٍ من الأمل كذبًا، فنؤمن بأنها خلاص الطريق.

ما كتب الأقدمون أقاصيصًا محايدة، حرَّفوا الحياة وجعلوا للنهايات عرشًا زائفًا، وصرخوا بأنها حالة أبدية. لكن القدر ما خبّأ أميرة ولا جنيّة سحرية. فانزل من وهمك واحتضن تربتك، فمنها يبتدئ المسير.

أن تتفاءل، أن تتغافل، وكأنك غير مدرك لمُصابك، ولا مؤهل للإبصار. لم يتبسم واقعًا قط، لكن لا تبتئس. يقول صبيٌ في غاباتك: “انحت ثورتك، وأعطِ لرفضك صوتًا، وسأكون لكلماتك الصدى”.

أوراق الياسمين

Cool-Lonely-Wallpaper-Boat-Image-Fog-Picture

كما جئت العالم وحدك أول مرة، ستمضي وحيدًا.

لا ظلال من السماء تؤويك إن غضبت الشمس. إن هو إلا مسيرُ طير السنونو وحده، والرِّيح تحمل أوراق الياسمين. فاحم رأسك بيديك، أو احمها بظهرك، فأنت تستحدث وطنًا لك وحدك.

كما جئت العالم وحدك أول مرة، ستمضي وحيدًا.

لا تدبرُ الغربة عن بشرٍ، إن لامسته بادئ الأمر. فمتى استيطنت، مسخَت فؤاده مرتعها، يستلذذ دمَ الخيبة خمرًا.

لا القُبلة تشابه الأخرى، ولا أسىً يناسخ ذاته، لا يتكرر الحريق، ولا الانفجار.

فاحتضن غربتك متى أقبلت، وقبّلها كما قبّلتها أول القصيدة، وإن كان لشفاهها مذاق دمعِك ودمِك. واقتطِع بين القوافي لها عبارة، لا تحبس الأنفاس عن موعد الذبول.

ماذا نقول؟ وللقلب المكفهرِّ الكهول؟

فانتظرها متى غفَت، وغنِّ لها بين جموع المتناسين. لكل الأمنيات في سواها خيبة ترقبٍ وأُفول.

وانتظرها، وإن تنكرّت للمغنى والقافية. وانتظرها، تتبع كل فرحة بميعادٍ للوصول.

ماذا نقول؟ والأغنيات شحيحات في الحقول؟

سيكبُر حزنك يا صديقي، أعوامًا، أعوام،

ستنعي خطاك الشجر أوراقًا، أوراق،

وتبقى حزينًا، لا قلبٌ يواسيك.

وتبقى وحيدًا، لا كفٌّ يُسلِيك.

فآلِف حزنك، ودلل نَسلك اليتيم.

كما جئت العالم وحدك أول مرة، سأمضي وحيدًا.

لم يزل قلبي يسمعكِ، حنينًا، أنينًا، وشكوى.

لم يزل الدمع يلتهفكِ، خطىً متلهفةً للنجوى.

ما زال اسمكِ مَبهجًا، ورِمشكِ مقصدًا، وأمنية بأن في عينيكِ كل ما يستحق الحياة.

حلم

Surreal-Loneliness-Scene-in-Photoshop
في البدء كانت الابتسامة، من شفتيكِ أنتِ. ثم ازدانت الأرض مروجًا وأشجارًا، وآلهة وكلمة.
في البدء كنتِ أنتِ، جميلة متأنقة كما عهدتكِ، مثلما أراكِ، في الغفو وفي الصحو، بين التل والنجمة.
كانت السماء مُعسرة، تتكدس على أبوابها رجاءات إنسٍ يائسة، وأمانٍ، وصدىً لأمٍ غجرية.
كانت الأكف مبسوطة، لم تعرف ماهيّة أن تقبض، أو تدفن كنزًا في شقوق الراحة المنسيّة.
كانت الشمس حاكمةٌ، آمرةٌ وناهية، تستبد عن إرادة بحياتنا، تتساخر كِبرًا بأمنيتنا، تهدد بالظمأ كيفما شاءت، وتهبنا شيئًا من كرامتنا متى شاءت.
كانت لمدينتنا شواطئ رحمة لامعة. كان الموج يسمعنا، يحادثنا بأغنياتٍ وأحجياتِ عجوزٍ سارحة. تضحي الشمس بقربها أضحوكة، ومتعة بشر ترفيّة.
كانت الليالي مقمرة، وكنت يافعًا تسكنني أسطورة أن السعادة لا يحوزها من لا يحصي النجمات الفضيّة.
أحلمُ بصبيٍّ يقطف وردة لصديقةٍ من أنقاض حربٍ وحشية. 
أحلم بصبيٍّ، يطبعُ قُبلته على الحجر، والمطر، وعلى أناملها العاجية.
حالمًا، يشدني طيفكِ إلى زهو السهو، وحكايات بدايات الكون وبدء المعنى، أشجانًا، ألحانًا، ومغنى.
حالمًا، تكبني الأشواق إلى صدغينكِ، قُبلةً وقِبلةً، نطرد الأحزان، عند وقع البُعادِ، واستحالة المدنى.
فالعين لؤلؤة، والقلب خمارة، تعتصر حنو القمر على البحر والمرجان.
والجفن ليلكة، من أرض زهر، منبت عِنب ورمّان.
سرابية، محالة العهد بالخطو، عصيّة الوصل كالغيم، للأسف.
وتقلُّب أبراج سماوية عن مدارها، والبصر إذا عن بهاؤك انحرف.
أيا زلاليّة الخطوات، ما حيلة المشتاق إلى عبيركِ فائحًا وردة بين ثنايا القميص وعلى الجبين؟
أيا بُياتيّة الأنفاس، حجازية الطرَفات، ألا حنانًا يبدد وحشة كفّينٍ جامدتين!
أن أكون وحيدًا حيث ارتوت الطرقات من أمطارك، فهذا معنىً للوجع.
ألا أشفى من حنين معتّق، نضب اصطبارًا عند بابكِ، فهذا معنىً آخر للوجع.
أحلمٌ بصبيٍّ يسرح هنيّة في أحاديث صديقةٍ، بضواحي وطنٍ مزويّة.
أحلمُ بصبيٍّ، يلثم ثغر طيفٍ، ونسمة صيفٍ، وأحاديث حبٍّ رمزية.
أن أكون حِدادًا في جموع المحتفين فهذا معنىً للوحشة.
ألا تستوعبك أيامي، فينقًا وفتنةً فهذا معنىً آخر للوحشة.
كان بالمسرحية مشتاق، لاحقته جيوش المارد إلى شطآن الحدود.
فضرب البحر بعصاه فانفجرَت، وبقي البحر الجلمود.
لم تتحين الليالي تجليات أقمار، فكنت بذكرى أغنياتك أترنم.
لم تتبدل السماوات طوعًا لشاعر، فكنت بأحلام لقياك أتكلم.
أحلمُ بالقهوة تنتظركِ، والبصر يختزلكِ، والخصر تبتغي أذرعًا تحتضنكِ.
أحلم بشعركِ الليلي، وعقدكِ القرمزي، ووجنتا أخيلٍ تتورد تخجلكِ.
أيا سليلة الأمواج، ثوري، نتوارى في كهفكِ المنشود عند النهر والقناة.
أيا سريرة الأشعار، قومي، ننحت بالجدران أن بفضائكِ كل ما يستحق الحياة.
سألتكِ بالذي أودع فيكِ سر الأكوان كاملةً، أن راقصيني على النار، نبعث من الرقاد أسطورة ولَه منسية.
سألتك بالذي كلّم جراح عاشق نائمة، أن شدي إليكِ حبل الوصال، تتفجر الشمس، وتتساقط الغيوم تذيب أثر حرب وحشية.

الكوميديا مأساتنا المعكوسة

لا يمكن أن أكون الوحيد الذي يخالجه شعور طفيف بالذنب إذا ما ضحكت على بعض النكات. فإذا ما نظرنا إلى عموم الساحة الكوميدية اليوم، نجد بأنها تسعى بشكل أكبر إلى تجاوز الخطوط الحمراء الأخلاقية أو الاجتماعية، وما يُسمى بالتابوهات إن استخدمنا مصطلحاً أكثر دقة. سواءً أكان ذلك فلمًا أو عرضًا كوميديًّا، فالجميع يسعى إلى النطق بما سكتنا عنه، وفضّلنا نكرانه أو تجاوزه، معتمدين على مساحة من الحياة لم نتجرأ على السخرية منها. وهذا هو أساس الكوميديا الحالية، فلطالما ارتكزت الكوميديا على مر العصور على عنصر المفاجأة بشكل أساسي، وعنصر المفاجأة هذا حاليًا هو المواضيع غير المنطوقة. لنتحدث مثلًا عن أغلبية الكوميديين على الساحة، فيمكن تلخيص أغلبية المواضيع التي يتطرقون إليها بالجانب الجنسي، الديني، السياسي، العنصرية العرقية، بل وحتى قد تكون سخرية من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن لغة الإشارة التي يستخدمها الصم البكم. وقد يُعد ذلك منه مضحكًا وظريفًا، ولكن وعلى الجانب الآخر، فلا أعتقد بأن أيًا من الآباء لن ينهر ابنه إذا ما سمعه يسخر بهذه الطريقة أو يتطرق لكل هذه المواضيع محاولًا إثارة ضحك المستمعين. فهذه المواضيع تشكّل تابوهات أخلاقية أو اجتماعية، لا يُسمح بتجاوزها عُرفًا، بغض النظر إذا ما كان لتجاوز تلك التابوهات أثر إيجابي أو سلبي على حياتنا وطريقة تفكيرنا.

يقول الأديب الإنجليزي الشهير (شكسبير): “تتضمن كل مأساة، عنصرًا من الكوميديا. الكوميديا ليست إلا مأساةً معكوسة”. فمأساة كالكساد العظيم، أو الانهيار الاقتصادي الكبير الذي شهده العالم، بداية من 1929 وحتى أوائل الأربعينات من القرن الماضي، كانت دافعًا ليُطلق الكوميدي البريطاني (تشارلي تشابلن) فيلمه (Modern Times) 1936، منتقدًا بأسلوبه الساخر تلك المدنية الحديثة التي سعت إلى استبدال العامل البشري في الصناعة بالآلات الحديدية. واصفًا ذاك الجشع البشري في استنزاف كل شيء، بداية من الموارد الطبيعية، إلى طاقة العامل البشري المسكين في المصانع والمؤسسات. ويُقال بأن الكوميدي البريطاني قد تأثر بمشاهدته لأعداد المتشردين والعاطلين عن العمل، وازديادهم عددًا بوتيرة حادة، ليخرج بعدها بفكرته عن الفيلم. فالكوميديا في تلك اللحظة تجلّت بأرقى صورها، مستمدّة من الشارع مأساته كموضوع أساس، في سبيل مواجهته وإيجاد الجرأة والشجاعة لمحاربة تلك المآسي، فهذا هو أحد أهم أسباب الكوميديا، خلق الجرأة لمواجهة ذاك الموضوع الذي تتناوله. وإذا ما تطرّقنا إلى فيلم 1923 (Our hospitality) كمثال آخر، يمثّل فيه الكوميدي الأمريكي (باستر كيتون) دور الشاب البسيط العائد إلى مدينته الأم، وكله شعور بالحنين إلى الوطن والأمل بالحياة الكريمة التي سيرسمها بعد ذلك، ليتفاجأ بكونه طرفًا في خلاف قديم بين عائلتين، لم يعد أي معاصرٍ يذكر أسبابه، وإنما يتذكر الجميع الكراهية المتبادلة. لينتقد بذلك تلك الخلافات العائلية القديمة، ويبيّن أثرها السلبي على حياتنا اليومية، وبأنها تقف عائقًا بيننا وبين الحياة الكريمة التي نصبو إليها جميعًا. وهذا ما أقصده عن الكوميديا في أرقى صورها؛ عندما تقف الكوميديا كمتحدث شعبيّ ضد المآسي.

لن أقول بأن الكوميديا اليوم تحتضر أو أنها منعدمة، فالكوميدي الأمريكي (ستيڤ كارول) مثلًا، يُقدم كوميديا جيدة في وقتنا المعاصر، تستمد مواضيعها من الحياة البسيطة للفرد، بوجهة نظري الشخصية على الأقل. حتى الساحة العربية المعاصرة لا تخلو من الكوميديا الجيدة، فيلم (عسل إسود) مثلًا  للفنان المصري (أحمد حلمي)، الذي يتحدث عن الشاب المغترب العائد إلى وطنه الأم، ليكتشف شكلًا  جميلًا  من الحياة، لم يتمكن من رؤيته بأعينه الغربية في بداية الفيلم.

لكن سأقول بأن الكوميديا ككل أشكال الفنون، انقسمت إلى راقٍ وتجاري ؛ فالكوميديا الراقية تستمد من الشارع ومن أنفس الشعب همومه ليواجهها، كما ذكرت مسبقًا. بينما الكوميديا التجارية تضرب في جميع الاتجاهات التي تحقق للمؤسسة التجارية أرباحها، بشكل جد طفولي وغير مقنن. معتمدة في ذلك على تحوّل أغلبية الأفكار عن الحريات إلى مطالبات ساذجة بعيدًا عن الفكرة الأصيلة، فالمطالبة المستمرة بالحرية تُعد أحد معالم هذا العصر، ومن هنا تظهر العديد من أشكال المطالبة بها، الفرد ضد المجتمع، النسوية ضد الذكورية، المواطن ضد الدولة، الأبناء ضد الآباء، إلخ.. ولكل من هذه المطالبات أشكال ساذجة كثيرة، بدعوى أن كل التفاصيل لا تتجزأ عن الفكرة الأساسية، أو لأسباب أخرى كعدم وضوح الفكرة أو غيرها. المهم، بأن الكوميديا التجارية تأثرت بهذا الجو من نقد الموروث، مما جعلها تتحول إلى أن تكون قنبلة ذرية في وجه التابوهات، أو الخطوط الحمراء، بغض النظر عن النتيجة المرجوة من هدم الموروث الثقافي الاجتماعي الأخلاقي على حد سواء. ومن هنا يُخلق ذاك الشعور الطفيف بالذنب الذي تحدثت عنه بادئ الأمر.

تبقى المشكلة الأولى -بالنسبة لي- في عالم الكوميديا، والفكر على حدٍ سواء، هو شخصنة المواضيع، لهذا أجد بأن الكوميديا الناجحة هي التي تتطرق إلى المواضيع بعيدًا عن الأشخاص. وكما أنني أعتقد بأن حرية الفرد تقف قبلما تخدش كرامة أية حرية لإنسان آخر، فأجدني أيضًا منزعجًا من الكوميديا التي تضرب بكرامة أي إنسان عرض الحائط، وبشكل خاص من السخرية ممن يواجه الحياة مبتلىً بلا حول له أو قوة، لظروف قهرية.

وكنقطة أخيرة؛ أعتقد بأن على الكوميديين تقدير الكوميديا حق قدرها، واستعياب دورها على حياتنا اليومية، وبأنها ليست ضحكة مجردة فحسب، لهذا أتمنى بأن تختار الكوميديا المعاصرة مواضيعها بعناية، وألا تكون مجرد ضربة عشوائية بهدف ترويجي بحت. بتعبير آخر على الكوميديين تقدير الكوميديا حق قدرها، فللكوميديا بوقوف الضحكات في صفها الأثر الأقوى في هدم التابوهات ونقدها، إيجابية كانت أو سلبية.وفي النهاية، سأستشهد بمقولة البوسني كوغكو، أحد الشخصيات الرئيسية في فيلم Twice Born، مُوجِّهًا شابًا إيطاليًا، ليقول: “إذا ما أردت أن تفهم الحرب وأثرها، فعليك أن تستمع إلى كوميديّ وهو يشرحها، باستر كيتون مثلًا”.


تم نشر هذه المقالة في صحيفة (هافينغتون بوست عربي).

الحياة بعيدًا عن المعنى

تشارلي تشابلن

لا أظن أنني إذا ما ذكرت (تشارلي شابلن)، الكوميدي البريطاني، أنه سيتشكّل في مخيّلة المستمعين بغير الشارب القصير، مع قبعته الصغيرة، وعصا البامبو التي تتكئ إلى جانبه بملابسه الرثة الفضفاضة، والتي بدورها تضفي طابعًا كوميديًا على تحركاته، حتى البسيطة منها.

لكنني حاليًا لا أقصده في شخصية (الصعلوك) التي اشتهر بها، والتي كان ظهورها الأخير في فيلمه City Lights (١٩٣١)، بعدما نطقت لأول وآخر مرة في نهاية الفيلم، بأغنية غير مفهومة، كلماتها مزيجٌ من عدة لغات، وبعض الإيماءات شارحةً المنطوق.

أنا أقصد (تشابلن) في فيلمه Limelight [١٩٥٢]، الذي يبدأ بأن ينقذ فيه جارته الشابة من محاولتها للانتحار، ليدور بعدها بينهما حوار عظيم، أحسب أنه حجز مكانه في ذاكرتي من مشاهدتي الأولى له، فعندما تبرر الجارة محاولتها للانتحار بعدم الجدوى المطلق في كل شيء، وبأن الحياة غدت بلا هدف أو معنى، يرد عليها (تشابلن): “وإلام الحاجة إلى المعنى؟ مزاولة الحياة عبارة عن رغبة، وليست معنى. فالرغبة هي ثيمة الحياة، هي ما يجعل الأزهار تتفتح بالشكل الذي نراه، وما يجعل الأحجار تنكفئ على ذواتها لتحتوي أنفسها بالشكل الذي نعرفه”.

أنا أحد أولئك المعتقدين بأن فقدان الرغبة في مواصلة الحياة لا يمكن أن يكون حالةً طبيعية، بأي شكل من الأشكال. وبأن اعتناق هذه الفكرة هو حالة مُكابرة شاذة، وإن ادّعى أصحابها عكس ذلك، وأن هذه الفكرة ستهدد بشكل قوي إذا ما أُحيلت الاختبار بشكل جديّ على أرض الواقع.

وأعتقد بأن الإنسان لا يمكن أن يكون عدميًا بالمطلق، بل إن الحالة العدمية المطلقة لا يمكن أن تتواجد إلا كشخصيات أدبية، صيغت الحياة من حولها لأجل إظهار هذه الصفة بتجلياتها فيهم. كالشخصية الرئيسية في رواية (الغريب) للأديب الفرنسي (ألبير كامو)، فهي شخصية لم تبد أي اهتمام بالحياة، رغم سير الأحداث في القصة، ولم ترغب أبدًا في الحياة إلا عندما وجدت طريقًا إلى الحب، وقتها فقط شعرت برغبة في مواصلة الحياة.

يقول (كامو) في مذكراته: “بؤس هذا العالم وعظمته، في كونه لا يهب الحقائق أبدًا، وإنما الحب فقط. فالعبثية تسود، والحب وحده ينقذنا منها”.

فقد يكون أحد مميزات عصرنا الحالي هو حالة عدم التأكد من أي شيء، فلا يسود الساحة غير الشك، وكل فكرة معرضة للسؤال، وقد يعفو عليها الزمان إن هي لم تتمكن من الإجابة والدفاع عن ذاتها بشكل مقنع. لن أتطرق إلى ما كان ذلك إيجابيّاً أم سلبيّاً على المدى الطويل، لكنني سأقول إن حالة الشك هذه صعبة، وغير محتملة للأغلبية. وأعتقد بأن هذا هو أحد الأسباب في أن القصص الرومانسية تجد طريقها بسهولة إلى القراء، وإلى مشاهدي الأفلام والمسلسلات التلفزيونية.

فالحب يقدِّم ذاته إلينا كالمؤكَّد الوحيد والأجدر بالثقة في عصرنا الحالي. يقول الروائي البرتغالي (خوزيه ساراماغو) في روايته (قصة حصار لشبونة) على لسان إحدى الشخصيات: “أنا لست متشائمًا، وإنما متشكك راديكالي. وقد يكون الحب هو الشيء الوحيد الذي يؤمن به المتشكك، أو بالأحرى أن نقول أنه بحاجة إليه”.

وفي مواجهة ذاك الشك العارم الذي يجتاحنا، يدافع الأغلبية عن أفكارهم وآرائهم، خاصةً أولئك الذين يُعرِّفون أنفسهم للعالم وِفق تلك الآراء، ومن هنا يظهر مَعلَم آخر للعصر، وهو حالة الذعر أو الخوف، خوفٌ من خسارة ذواتنا إن خسرنا تعريفنا لأنفسنا، ومن هنا نتجت ردات فعل ساذجة في الدفاع عن الأفكار، أو الدافع للتشبث بالحياة، كالإيجابية المطلقة التي ترفض كل مآسي العالم، فتنكرها تارةً وتسخِّفها تارة أخرى. دعوني أقول إن أولئك الإيجابيين هم الأكثر انكسارًا إذا ما عصفت الحياة يومًا.

“لماذا نستمر في حياتنا؟ وما الذي يدعونا للتشبث بها بقوة؟”، يتساءل تشابلن في حواره السابق مع جارته، ليكمل مجيبًا: “كل شيء. الحياة ذاتها أليست سببًا كافيًا؟ لأن نعيش، نعاني، نستمتع. الحياة قد تكون جميلةً رائعةً، حتى بالنسبة لأسماك الزينة”. ويضيف: “ستجد الحياة جميلةً إذا لم تكن خائفًا منها. كل ما أنت بحاجته هو التحلّي بشيءٍ من الشجاعة، والخيال، وشيءٌ من النكتة”. فلا يمكن مواجهة الحياة دون السخرية من معاناتها، فمن حق الضحكة الجيدة علينا أن تبدد خوفنا، وأن تمحي عنا حالة الذعر هذه.

أعتقد بأن الحياة مدينة لنا باعتذار لأنها لم تتجلّ لنا كاملة، لأنها بخِلت علينا بشيء مما تملك. وأعتقد بمقولتي تشابلن في أحد حواراته الصحفية: “الحياة تراجيدية إذا ما نظرت إليها عن قرب، كوميدية إذا ما نظرت إليها بالمجمل”. و“بأنك ستضاعف من ذاتك، كلما تعلمت أمرًا جديدًا”.

ضاعف من ذاتك، تلقَّ من الحياة تجاربها قدر المستطاع. ومارس الحياة بكل تفاصيلها، الحياة رغبة، مزاولتها رغبة، والمعرفة هي الأخرى رغبة. وفي النهاية، “فالحب والمعرفة، كلمتان مترادفتان للشيء ذاته”، كما يقول (ألبير كامو).


تم نشر هذه المقالة في صحيفة (هافينغتون بوست عربي).

 

أغنية

 

وُلدنا هَهُنا، لكنا وُجدنا منذ الأزل ؛ وحيدون، هائمون وفرِحون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد من حديقة الله المزهرة، منقوشٌ  بأيامه سماء ونجوم.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نكنز بالقلب أمنياتٍ  وسحرًا ودُنى.
نحن من نحن؟ ولا نسأل من نحن .. فما دُمنا هنا، نرتق للدهر ألحانًا وشعرًا وغُنى.
لا نكذب عمّا كان، ولا نأمل بما سيكون، وههنا نصارع الأقدار علّها تنصاع حينًا للمُنى.
لأن يتناسى التاريخ دفاتره يومًا، وألا يتبدل كلما ارتُكبت على الأرض خطيّة.
وأن ينصت الكون للقافيةِ حبًا ولأغنية، فيتركنا وقوفًا نموت ونحيى.

ههنا، في المعيشة الطارئة والسياقات العارضة، نحيا.

كأغنية شعبية تخلق الرمزية بلا خناق، مشبعة بالمعنى.
نقيم حدادنا سبعين عامًا على ما خسرناه وانكسر من كل أمنية.
نعتِّق طفولتنا القديمة العذبة، ونشربها على الأرق في الليالي العصيّة.
نرتقب الدمعة كلّما اختلطت بالنجمة، علّها تخلق لنا من السماء جنيّة.
ما زال بالقلب أمنية، وكائنات أسطورية، وبعض عُصٍ  سحرية.
ما زال بالقلب أميرةٌ، وسُحب سارحة، وكنوز، وبحيرة خلود خفيّة.

ههنا، بين ثقل الوجود الشقي ورِقّة الهروب الأبيّ، نحيا.

نسافر أحيانًا، ونبيت أحيانًا، على أمل الوقوع على هوية.
نحن في سِفر الحياديين أنشودة، وأهازيج أفراح شعبية.
لا نحتكر الشعارات، ولا نرى صورتنا في النبوع الوطنية.

الآن،

نحن الآن نتضاحك بأعلى أصواتنا، لأن الحياة بدت حقيقية.
نحن الآن نتساخر في سرائرنا، لأن الناس انقسمت بين إله أو ضحية.
نحن الآن ننسج الهنيّة نكاتنا، ونحيكها بالأحزان، ونحلم.
نحن الآن نجافي الكآبة بدندنتنا، ونهرب إلى الخفاء، نتبسم.

ما زلنا هنا،

لا تشيخ الأمنية .. ما دمنا عامري صداقةً في الصدور الفتية.

لا تموت الأغنية .. ما دمنا عاشقي أصالةً من القلوب النديّة.

غنائيون، عاطفيون، حالمون.
ولا نسأل من نحن .. ما دامت وحدتنا جميعٌ، فلسنا فرادى.
ولا نسأل من نحن .. ما بقينا هناك وهنا، وللطُّهر إذا تنادى.

ههنا، بين جموع المنسيين، وأعين المختفين، نحيا.

هذا السياق العدميّ، ليس منا.
وهذا الرصيف الدمويّ، ليس منا.
وهذا المصير الأزليّ، ليس منا.
وُلدنا ههنا، لكنا كنا منذ الأزل، بلا أفقٍ  أو سجون .. غنائيون، عاطفيون، حالمون.
وُلدنا هَهُنا، لكن العمر ممتد إلى أغنية الفيروز المورقة، منقوشٌ  بألحانها طيرًا وسكون.