الكل إنسان

تحكي القصة عن أميرٍ لأحد البلاد خرج إليها يوماً يتفقدها, فاستوقفه فقيرٌ التصق جلده بعظامه لما يجد من الجوع وسوء التغذية, استوقفه منظر كبير السن ذاك بشعره الأشعث وملابسه المتمزقة البالية, استوقفه بسؤاله للناس وكلماته التي تأكله بجفافها. اقترب منه الأمير وسأله عن حاله وعمن يكون, فتبين له بالجواب بأنه عجوزٌ مهاجرٌ من أرض أخرى, جلبته الحاجة إلى هنا قديماً وتركته محتاجاً بعد عجزه عن اللحاق بها ! فأمر الأمير له بأعطية لا تنقطع بغير انقاطع الفقير عن حياته, وضمه لعجزه مع بقية العاجزين عن العمل من المواطنين.

 

يحكي المكان ذاته عن قصة أخرى شهدها بزمنٍ آخر, يحكي عن تحيز للإنسانية وتلوث مشاعرها, وتشكي تقاسم الشعوب لمعاني الكرامة والاحترام فيما بينهم, لتبكي على إنسانية شوهناها بحرمان المختلفين عنا منها.

 

كثيراً ما حكى وتكرر فيه وشهدنا بأنفسنا ذاك المشهد الذي يتعاطف في طفلٌ مع أحدهم, فيقف كبار السن حاجزاً بوجه مشاعره البريئة .. فقط بداعي الاختلاف, عرقيٌّ كان أو دينيٌّ أو بأي شكل آخر.

 

تأملت الإنسانية وهي تصرخ فينا بعدم اعترافها بتصنيفاتنا التي تفرقنا, تأملت دموعها التي تشكي تضييقنا لها بحبسها فيما بيننا, تأملت أعينها التي ترجونا لنعود صغاراً بقلوبنا, لنبقى إنساً بمشاعرنا, لا نعرف معنىً للفرقة أو الكراهية التي زُرِعت فينا ورضينا تراكمها.

 

لا تعترف الرحمة بجنسياتنا المدنية, لا تفهم الكرامة تفرقاتنا المذهبية, لا يعي الصدق أكاذيبنا, ولا تقبل بقية الأخلاق تضييقاتنا لها وحصرها على فئات معينة .. بل تكرر على مسامعنا بأن الكل إنسان مالم ينسلخ بإرادته من إنسانيته.

 

(تدوينة قديمة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *