الرسومات الكرتونية

قد يبدو هذا الموضوع لطيفًا بعض الشيء لدى كثير من الناس الذي يفضلون التعامل مع الرسومات الكرتونية بشيء من الطيبة، وقد يبدو كريهًا عند الذين يعتبرون الرسومات الكرتونية -خاصة منتوجات ديزني- مؤامرة على البلاد العربية والشرقية. في هذه التدوينة سأعرض فكرتي الخاصة عن الرسومات الكرتونية بشكل عام، ومنتوجات ديزني بشكل خاص، بحكم أنها الأكثر انتشارًا ونجاحًا في عالم الرسومات الكرتونية، كما أنها أكثر الرسومات احترافية. سأعتمد في تحليلي على عدد من المنتجات وهي ؛ الأسد الملك، الجميلة والوحش، سنووايت، الأميرة النائمة، سندريلا، بينوكيو، علاء الدين، حكاية لعبة، السيارات، ومولان. أعتقد بأن هذه أشهر أفلام ديزني بجوار “ميكي ماوس” وأصدقاؤه والذين سأفضل تجاهلهم اليوم.
المفصل الأساسي والفكرة المتكررة بشكل أكبر في الرسومات الكرتونية عند (ديزني) هي البحث عن الذات، أو تحقيق الذات بتعبير أكثر دقة، وهو أحد الأسئلة المهمة التي يتأخر طرحها على الطفل العربي، في “فيلم “الأسد الملك” يُطرح هذا السؤال في حوار الشخصية الرئيسية (سيمبا) مع خيال والدها ومع القرد (رفيكي)، وفي فيلم “مولان” يتكرر هذا الحوار طريقة أكثر وضوحًا، عندما تقف الشخصية الرئيسية (مولان) أمام خيالها على البركة معبرة بأغنية بأنها لا تستطيع أن تتخلى عن نفسها وعن أمانيها وأفكارها في مقابل القبول المجتمعي. وفي كل الرسومات الكرتونية نجد الفكرة ذاتها تتكرر بأكثر من طريقة.
نقطة أخرى تتكرر كثيرًا في الرسومات الكرتونية تكمن حول الأخلاق في التعامل مع الآخرين، الغيرة كخلق سيء كانت محورًا للعديد من الرسومات الكرتونية، “حكاية لعبة” مثلًا عندما يغار راعي البقر (وودي) من اللعبة الجديدة الممثلة في رائد الفضاء (بز يطير). أو في “السيارات” عندما يتعامل (برق بنزين) مع الآخرين بشيء من الغرور والاحتقار لما يرى في نفسه من موهبة، حتى يتعلم بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج للتدريب المستمر، والتعامل مع الخصم باحترام. حتى (سيمبا) في “الأسد الملك” كان مغرورًا بشكل مزعج عندما كان صغيرًا، وذلك ما كلفه الكثير وجعله يتجاهل ذاته. وفي “الجميلة والوحش” وفي “الأميرة والضفدع” كان السبب في معاقبة الأمير وتحويله إلى وحش أو إلى ضفدع هو غروره واحتقاره للآخرين.
دائمًا ما يكون في القصص هدفًا تريد الشخصية الرئيسية، وغالبًا ما تجدها تبتعد عنه كثيرًا بطيشها أو بمؤامرة من الأشرار، ومن ثم تتدخل قوى سحرية طيبة لمساعدته بعدما يصيبه اليأس. في الحقيقة ؛ السحر واللامعقول يتكرر كثيرًا في الرسومات الكرتونية، سواءً أكانت قوى سحرية طيبة أو شريرة متمثلة في السحر الأسود. بشيء من الأمل والإيمان ترسل هذه الرسومات الكرتونية لأطفال رسالة بعدم الاستسلام والسعي لتحقيق الأهداف مهما كانت، وبأن ما لا نتخيله أو يخطر على بالنا قد يساعدنا في الوصول إلى أهدافنا. الساحرة التي ساعدت (سندريلا) في الوصول إلى الأمير قبل منتصف الليل، والأخرى التي جعلت (بينوكيو) اللعبة الخشبية تتحرك وتتكلم، التنين الذي ساعد (مولان) لحماية  الصين وتشريف اسم عائلتها، والكثير من القصص. وعلى الصعيد الآخر فإن السحر الأسود يتكرر بكثرة أيضًا في الرسومات الكرتونية ؛ في التفاحة المسمومة عند (سنووايت)، أو الإبرة المخدرة عند (الأميرة النائمة)، وغيرها الكثير. وفي حضور السحر الأسود والقوى الشريرة العظمى، دائمًا ما يكون الحب هو السبيل الأول للخلاص والتغلب على المصاعب، القبلة التي تنفي السحر الأسود، أو تعاون غير مفهوم بين الشخصيات للتغلب على الشرير الذي يصعب التغلب عليه ..إلخ. وأحد أهم المبادئ التي تطرحها الرسومات الكرتونية أيضًا أن كل شخص مسؤول عن تصرفاته، وأن عليه تحمل عاقبة اختياراته، (بينوكيو) الذي يتألم كثيرًا في السيرك، أو (وودي) و(بز يطير) وهما يواجهان خطورة الغربة عن منزل (آندي)، (مولان) وهي تواجه خطورة تشويه سمعة العائلة .. إلخ.
الجانب المفضل بالنسبة لي في كل الرسومات الكرتونية يكمن في فكرة أن الشخصيات الرئيسية لا تتصرف بطريقة غير مقبولة حتى لو تصرف البقية بأكثر الطرق وحشية وإجرامًا. وقد تخسر الشخصية الأولى وقد يربح الأشرار، إلا أن الخير دائمًا ما ينتصر نهاية، ويكسب الحرب. كثيرًا ما يكون القتل غائبًا في القصص، خاصة من جانب الشخصيات التي تمثل الطيبة. فالشخصيات هذه تبدو عادة مثالية بعض الشيء في تعاملها مع أعدائها، فهي تسامح وتصفح لأبعد درجة. بل وكثيرًا ما تمد يدها إلى الشخصيات الشريرة وتقدم لها الفرصة الجديدة للحياة والطريق الجديد. فقد تموت الشخصية الشريرة بأن تسقط من على جُرف عالٍ، كما حصل في قصة “سنووايت” و”الجميلة والوحش” و”الأسد الملك” بجزئيه. وقد يقوم الشخصية الشريرة إلى وحش مجرم تنتفي عنه كل صفات الرحمة أو الجمال، وفي هذه الحالة قد يتم قتله كما حصل في قصة “الأميرة النائمة” التي تحولت فيها الشخصية الشريرة إلى تنين أسود مرعب يقضي عليها ذاك الأمير الشاب. كل ذلك حتى لا يتقبل الطفل فكرة القتل أو سفك الدماء مهما كان.
لنتكلم عن “علاء الدين” وقصته لمزيد من التوضيح ؛ (علاء الدين) هو شاب فقير يسرق كل ما لا يمكنه الحصول عليه بطريقة شرعية، ويربطه القدر مع الأميرة (ياسمين) في لقاء غريب لا تجره إلا الصدفة، الأميرة التي بورها كانت ترفض كل من يتقدم إليها طالبًا يدها، لأن الجميع كانوا يستعرضون أموالهم وجاههم، بينما هي ترفض الارتباط بشخص لا تحبه لشخصه. (جعفر) الشخصية الشريرة في القصة كان مستشارًا للملك، الذي قرر الفوز بيد الأميرة (ياسمين) عن طريق امتلاك القوة المتمثلة في قوة جني المصباح. في النهاية ترتبط الأميرة (ياسمين) بالفقير (علاء الدين) الذي تحبه، يتم القضاء على (جعفر) عن طريق تحويله إلى جني يتم حبسه في المصباح. فضلًا عن بعد القصص الجانبية، كتخلي (علاء الدين) عن أمنيته الأخيرة في سبيل منح الجني الأزرق حريته، والوفاء بوعده الذي أعطاه للجني قديمًا. فحقق (علاء الدين) نفسه بإيجاده الحب الذي يريده، ويعطيه شخصيته الطيبة التي تساعد الآخرين، وانتهت القصة على هذه الخاتمة.
لن أقول بأن هذه الرسومات الكرتونية خير كلها، وإنما سأبدأ نقدي بمقولة (مالك بن نبي) التي يصف فيها تأثير الثقافة على حكم الإنسان على الحياة. يضرب مالك بن نبي مثلًا بمسرحية رومنسية يقتل الحبيب فيها نفسها لأجل محبوبه، يقول (مالك بن نبي) بأن الإنسان الغربي يرى مشهدًا كهذا بمنظور جمالي بحت، فيبكي له متأثرًا، مصفقًا لمثل هذه التضحية معظمًا. بينما ينظر العربي إلى المشهد السابق بمنظور أخلاقي، فتراه يشمئز من الانتحار، ويراه مؤسفًا وغياب للأخلاق وغير مفهوم.
كل هذه الرسومات الكرتونية التي تحدثت عنها سابقًا مكتوبة بقلم غربي خاضع للعولمة، من الطبيعي أن لا تلائم أولئك الذين لا يتقبلون العولمة ولا الثقافة الغربية التي يتم تعميمها. وهذا هو الجانب السلبي فيها كما أعتقد، لن أقول بأنه متعمد، بل سأقول بأن الطفل الغربي هو المقصود بمثل هذه القصص. تختلف الرسومات الكرتونية الشرقية -مثلًا- عن طريقة العرض أو الأفكار الرئيسية والمحورية بشكل كبير، وحتى في طريقة الرسم والقصة والحوارات المتضمنة، لأنهم يصنعون رسومات كرتونية موجهة إلى أطفالهم. ويبقى بذلك للأمم التي لا تهتم بأطفالها مهمة رشق الآخرين بالاتهام، والشعور الدائم بالمؤامرة وشيء من الكبر والزيف المتفاخر.

One Reply to “الرسومات الكرتونية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *