أنا والكتاب (٠٢) ؛ السبب

كل لحظة كنت أنظر فيها إلى كتبي، وأنا عنها بعيد، لا أقترب، بلا سبب أعرفه .. لكني كنت أفكر دائمًا عن صدي هذا عنها، على معرفتي بأهميتها !!

في بعض أيام حياتي كانت تتردد على مسامعي بعض الكلمات عن القراءة، وكنت بها أتقوى على كل صفحة أقرؤها. أُولاها كانت من كتاب (أنا) لعباس العقاد في مقولته : “أقرأ لأن حياة واحدة لا تكفيني”، مقولة أخرى كنت أسمعها مرارًا كانت جواب ڤولتير على سائله عمن سيقود البشرية، عندما قال بأنهم أولئك الذين يحسنون القراءة. أو قصة اليابان ونهضتهم بعد الحرب العالمية الثانية وقنبلتي هيروشيما وناغازاكي، وقصة إجبارهم لأبنائهم على القراءة. وطبعًا لا يمكن أن نغفل أكثر العبارات ترددًا وهي أن أمر القراءة كانت أول كلمات القرآن نزولًا.

وللأسف ؛ فالعبارات السابقة وعبارات أخرى غيرها تم تسويقها واستعمالها لتقول بأن هدف القراءة كان للقراءة ذاتها، وأعتقد بأن هذا كان دافعي للقراءة، كما كان السبب في توقفي عنها لخمس سنوات أيضًا. وأعتقد بأن القراءة لم تكن هدفًا لذاتها، لم تكن يومًا كذلك، هي وسيلة إلى هدف آخرٍ أكثر شمولًا، وليست القراءة أيضًا هي الوسيلة الوحيدة إليه، ولا حتى الأفضل، لكنها الأنسب إلى البعض فقط، بما فيهم أنا.

نظرة أكثر شمولية على خطوة اليابان الأولى في طريق نهضتها كفيلة بإخبارك أن القراءة لم تكن وسيلة النهضة الوحيدة، ستخبرك أيضًا عن بعثاتها العلمية في كل المجالات الصناعية والعسكرية وغيرها*. وأعتقد بأن هذا ما عناه مالك بن نبي في مقولته “إن اليابان وقفوا من الغرب وقفة التلميذ، ونحن وقفنا منهم موقف الزبون”.

من جهة أخرى ؛ فڤولتير لم يعمم جوابه على كل القراء، وإنما اقتصر جوابه على الذين يحسنونها. وعباس العقاد لم يكن مهتمًا بكل أشكال الحيوات ليضيفها إلى حياته، كان مهتمًا أكثر بأن يضيف النادر منها، والتي اشتهرت بغرابة طريقتها في التفكير، يقول العقاد : “لا يوجد أي كتاب غير مفيد، فحتى الكتب الغبية تعرف بها كيف يفكر الأغبياء”، وبعيدًا عن تهكمه الصريح في مقولته السابقة، فأرى بأنه أشار وبصراحة إلى السبب الرئيسي.

طريقة التفكير التي تخولك لإيجاد حلول تليق بأي مشكلة تواجهك في حياتك، فلكل مشكلة لها سياقتها وتراكماتها التاريخية التي سببتها، ولا يمكن حل أي مشكلة بما لا يناسب تاريخها. فستحتاج في مواجهتها إلى طريقة تفكير تحلل وتعرف كل المعلومات التي توصلك إلى السبب الرئيس لها، وكيفية مواجهتها. صحيح بأننا قد نضطر أحيانًا إلى اختصار الطريق الذي نخطوه، وأن نسلم بمعلومات أوصلها غيرنا إلينا، ولكن تبقى طريقتنا في التفكير هي الأهم، وهي المقياس للأخذ بمعلومات غيرنا أو رفضها.

كن قريبًا من ذاتك، فريدًا في طريقتك، فلا يتغير التاريخ للنسخ المتكررة، ولتجعل الكتب ساعدًا لك، ولا تترك لها فرصة أن تكون لك قلبًا وعقلًا، لأنها بذلك تخلق لك حقيقة وهمية، تقتل روحك ببطئ وألم.


(*) في كتاب “كيف أصبحوا عظماء” ذكر قصة أول محرك سيارات ياباني، لطيفة جدًا.

One Reply to “أنا والكتاب (٠٢) ؛ السبب”

  1. انا والكتاب عبرت فيه عن الكثير مما لم اقله بلسان القلم ولكني اضيف اني والكتاب كمتال الموجه لي وخاصة في فترة النمو حيث من خلاله تعلمت الاتيكيت وطرقه وتعلمت الرومانسية وجمال عباراتها وتعلمت الواقعية وقصصها والكثير مما شكاني وجعلني على الصورة المهذبة والراقية والمتفهمة وكل خير اكتسبته وكل شر ابتعدت عنه
    فالحمدلله الذي جعل اول امر منه هو اقرأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *